من أكثر الأزمات التي يتذكرها الأميركيون جيداً، وصارت تدرّس في أدبيات الإدارة في الجامعات، حادثة تسميم دواء «تايلينول» التي تصدرت «مانشيتات» الصحف والإعلام، حيث يتناوله مائة مليون شخص.
ففي عام 1982 أضاف أحد الأشخاص مادة السيانيد السامة لكبسولات أشهر مسكن أميركي، ثم أعادها إلى رفوف ست صيدليات في شيكاغو. الأمر الذي أدى إلى مصرع سبعة أشخاص، وخسائر بلغت أكثر من 100 مليون دولار للشركة المنتجة.
استجابت الشركة عبر سحب ملايين العلب فوراً، ومارست أقصى درجات الشفافية الإعلامية بالطلب من الجمهور عدم تناول منتجها! ومنذ ذلك الحين تغير شكل العبوة بحيث يصعب العبث بها، فأصبحت العبوة الأولى من نوعها. ثم أصبحت هذه الأزمة نموذجاً عالمياً لإدارة الأزمات. وذلك لأن العبرة في النهايات، حيث استعادت الشركة ثقة الجمهور خلال عام واحد، ومارست فيها أهم خمس مراحل في إدارة الأزمات، وهي الاستشعار المبكر، والاستعداد، والاستجابة، والتعافي، والتعلم.
هذه المراحل الخمس تسمى «نموذج متروف». إذا تبين أن أي أزمة تعترض الدولة أو المنظمات، يمكن أن يعبر القائمون عليها إلى بر الأمان إن هم اتبعوا متطلبات كل مرحلة. ذلك أن «الاستشعار المبكر» صار مع علوم الرياضيات والإحصاء والبيانات التاريخية والإعلام المفتوح ممكناً. فيمكن أن تتنبأ الدولة بمواسم الفيضانات والزلازل والأمواج العاتية، وانقطاع التيار الكهربائي بكل سهولة. ولذلك حينما دربت إحدى الجهات على إدارة الأزمة كانت لديها «رزنامة» للأزمات.
والأزمة بالمناسبة قد تكون كارثة طبيعية، أو حالة طوارئ أو أزمة معينة مثل الأوبئة والأعطال الفنية والهجوم السيبراني واضطراب سلاسل الإمداد.
ومن دون «استشعار» يصعب «الاستعداد» والتصدي لشتى أنواع الأزمات. فهناك خطط الطوارئ وفرق الاستجابة السريعة والتمارين الميدانية والسيناريوهات الافتراضية. وكل أزمة أو تحدٍّ تختلف في آلية التعامل معها، وتختلف الجهات التي تتطلب مشاركتها. ففي جميع الأحوال خصوصاً على مستوى البلد لا بد من وجود غرفة عمليات تعمل على مدار الساعة، تتبع هيئة وطنية متخصصة في إدارة الأزمات لتعلن بدء الأزمة وتسميها حتى تعرف كل جهة متى ينبغي عليها المشاركة وكيف تشارك. كل ذلك مكتوب وفق برنامج عمل، بما فيها الرسائل الإعلامية التطمينية، والتحذيرية، وغيرها المعدة سلفاً. وكل رسالة ومهمة تحدث في إطار زمني متعارف عليه فلا تسبق خطوة أخرى.
أما مرحلة «التعافي» فهي التي يلاحظ فيها الناس بدء عودة المياه إلى مجاريها تدريجياً واستعادة الجمهور الثقة.
أما أكثر مرحلة يتم تجاهلها رغم أهميتها فهي «التعلم». فما أكثر الأزمات التي لا يتعلم منها أحد. لسبب بسيط وهو غياب المنهجية في تدوين كل خطأ ارتكب ليس لتوجيه أصابع الاتهام، بل لتعديل خطط الاستعداد.
ومن أكثر أخطاء المسؤولين في الأزمات، إنكار الأزمة في بدايتها، والتأخر في اتخاذ القرارات، وضعف التواصل مع الجمهور، والأسوأ البحث عن مُذنب بدلاً من تكريس الجهود لحل المشكلة. ولذلك هناك مبدأ شهير، وهو تجنب محاسبة المسؤولين في الأزمات حتى يعترفوا بأخطائهم ونعدل على إثرها خطط التصدي المستقبلية.
إدارة الأزمات أضحت نهجاً احترافياً يتطور بصورة مذهلة مع التكنولوجيا التي اخترقت كل أركان حياتنا. فصار استشعار الأزمة مبكراً أمراً ممكناً. الأزمات قد تفاجئ العامة، لكنها لا ينبغي أن تفاجئ الجهات التي تملك «رزنامة أزمات متوقعة».
