لم يكن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في دافوس مجرّد حلقة أخرى في أسلوبه الاستفزازي المعروف، ولا واقعة يمكن ردّها إلى سمات شخصية لرئيس غير تقليدي. ما جرى في المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام كان أقرب إلى لحظة كاشفة، تُعلن -بهدوء قاسٍ- أن النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة لم يعد يعمل وفق مسلّماته القديمة، وأن شبكة التحالفات التي حكمت علاقة الولايات المتحدة بحلفائها تمرّ بمرحلة إعادة تعريف عميقة.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تقم القيادة الأميركية على التفوق العسكري وحده، بل على معادلة أكثر تركيباً: قوة صلبة كبيرة، محاطة بشرعية سياسية، ومؤطرة بشبكة مؤسسات وتحالفات تُشعر الشركاء بأنهم جزء من نظام لا مجرد أطراف خاضعة له. هذا النموذج سمح بتأجيل منطق «توازن القوى» الكلاسيكي، لأن الهيمنة الأميركية بدت -في نظر كثيرين- مقيّدة، ويمكن التنبؤ بها، وأقل تهديداً من بدائلها.
ما كشف عنه منتدى دافوس 2026 هو أن هذه المعادلة لم تعد مُسلَّماً بها. فحين يطرح الرئيس الأميركي، من على منصة دولية، فكرة «مفاوضات فورية للاستحواذ على غرينلاند»، ويُقرنها بلغة تلميحية عن الامتنان أو «التذكّر»، فإن الإشارة لا تتعلّق بالجزيرة بحد ذاتها، بل بالتصور الجديد للعلاقة بين القوة والسيادة. هنا لا تعود السيادة مبدأً ثابتاً، بل متغيراً تفاوضياً خاضعاً لميزان القوة.
الأهمية التحليلية لهذه اللحظة لا تكمن في جرأة الطرح، بل في السياق الذي قُدِّم فيه. فدافوس تقليدياً هو فضاء الطمأنة: حيث تُدار الخلافات الكبرى بلغة محسوبة، وتُخفَّف الصدمات عبر الخطاب المؤسسي. أن يتحوّل هذا الفضاء إلى مسرح اختبار علني لقدرة الولايات المتحدة على الضغط على أقرب حلفائها، فذلك يعكس تحوّلاً أعمق في فلسفة القيادة، لا مجرد تكتيك تفاوضي عابر.
من منظورٍ نظري، يمكن فهم ما يحدث عبر ثلاث عدسات متداخلة: الأولى هي عدسة «تآكل الشرعية». فالقوة، وفق التقليد الواقعي الكلاسيكي، لا تكون مُهدِّدة فقط بحجمها، بل بطريقة استخدامها. ما يقلق الحلفاء اليوم ليس أن الولايات المتحدة قوية، بل أن هذه القوة باتت تُمارَس من دون الإطار الأخلاقي والمؤسسي الذي اعتادوا عليه. هذا ما يفسّر الصدمة الأوروبية: فالتصريحات المتعلقة بحلف شمال الأطلسي، والتشكيك في منطق التضامن المتبادل، تضرب في صميم الافتراض الذي بُني عليه الأمن الأوروبي لعقود.
العدسة الثانية هي «التحول من القيادة إلى المعاملات». كما يشير فريد زكريا في قراءاته، فإن النموذج الأميركي التاريخي قام على جعل الآخرين يرغبون في العمل مع واشنطن. أما النموذج الجديد، فيميل إلى اختزال العلاقات في حسابات تكلفة وعوائد فورية: مَن يدفع أكثر؟ مَن يستفيد أكثر؟ هذا المنطق قد يكون فعالاً في صفقات قصيرة الأجل، لكنه يُضعف الثقة اللازمة لبناء نفوذ طويل المدى، ويحوّل الامتثال إلى حالة مؤقتة لا شراكة مستدامة.
أما العدسة الثالثة فهي «عودة منطق توازن التهديد». في هذا الإطار، لا تعيد الدول حساباتها فقط عندما تتغير موازين القوة، بل عندما تتغير تصورات النيّات. أوروبا، وكندا، وحتى قوى متوسطة أخرى، لا تتحرك ضد الولايات المتحدة، لكنها بدأت تفكّر بكيفية تقليص الاعتماد الأحادي عليها. هذا ما يفسّر اللغة الجديدة التي ظهرت في دافوس، سواء في الخطاب الأوروبي الحذر، أو في الطرح الكندي الذي دعا إلى بناء تحالفات مرنة، قضيةً بقضية، بدل الارتهان لمسار واحد.
خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني جاء هنا بوصفه تعبيراً عن هذا التحول، لا بوصفه محور الحدث. فجوهر خطابه لم يكن مواجهة واشنطن، بل الإقرار بأن «النظام القائم على القواعد» لم يكن يوماً مثالياً، لكنه كان يعمل لأن الجميع التزم -ولو جزئياً- بصيانته. ومع تراجع هذا الالتزام، يصبح على القوى المتوسطة أن تبحث عن أشكال جديدة من التعاون تحمي مصالحها من دون أن تنزلق إلى عالم «الحصون المغلقة».
الأهم أن هذا النقاش لا يقتصر على أوروبا وشمال الأطلسي. دلالاته تمتد بوضوح إلى الشرق الأوسط. فالمنطقة، التي خبرت لعقود نمطاً ثابتاً من الحضور الأميركي، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة: الولايات المتحدة حاضرة بقوتها، لكنها أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ميلاً إلى الربط المباشر بين النفوذ والمكاسب الآنيّة. هذا يفرض على دول المنطقة مقاربةً أكثر براغماتية وأقل اعتماداً على الضمانات التقليدية.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، لا يعني ذلك القطيعة مع واشنطن، ولا استبدال تحالف بآخر، بل إدراك أن العلاقة مع قوة عظمى تمرّ بمرحلة إعادة تعريف. التعامل مع إدارة تتبنى منطق الصفقات يتطلب تنويع الشراكات، وبناء أوراق قوة ذاتية، وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية. فالدرس الذي استخلصه الأوروبيون في دافوس -وهو أن الاعتماد الأحادي يخلق هشاشة استراتيجية- ينطبق على المنطقة بدرجات متفاوتة.
بهذا المعنى، خطاب ترمب في دافوس لم يكن إنذاراً باضطراب سببه شخص واحد، بل علامة على مرحلة تاريخية تتراجع فيها اليقينيات الليبرالية. التحدي الحقيقي أمام الدول اليوم -في أوروبا والشرق الأوسط والعالم- ليس كيفية التعامل مع خطاب بعينه، بل كيفية التكيّف مع نظام دولي يُعاد تشكيله أمام أعيننا، حيث لم تعد القواعد القديمة كافية، ولا الثقة الموروثة مضمونة، في عالم يمضي بخطى ثابتة نحو تعددية أكثر تنافساً وأقل طمأنة.
