جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

عن تقلّبات الطقس والسياسة

استمع إلى المقالة

تقلباتُ الأحوال الجوّية غير تقلبات السياسة. الأُولى تُقبل من الناس، ولو على مضض، على اعتبار أنها أمور من تدبير القدرة الإلهية وخارج السيطرة الإنسانية، وأضرارها وخسائرها في الأرواح والممتلكات يمكن تعويضها.

الثانية لا تُقبل (الحروب مثلاً) على اعتبار أنها من صنع الإنسان، وخسائرها لا تعوض، وآثارها السلبية قد تطول أعواماً طويلة، وقد لا تقتصر على أمة أو شعب أو فئة اجتماعية. القاسم المشترك بين الاثنين، أن لا شعب أو أمة في مأمن منهما، أو من إحداهما.

في ليبيا، على سبيل المثال لا الحصر، رغم ما حباها الله به من اعتدال في الطقس طيلة العام، فإنها ليست في مأمن من تقلباته وانقلاب أحواله. في الأيام الأخيرة، وعلى غير العادة، هبت على البلاد عاصفة رملية شديدة في مدن الساحل، خصوصاً في المناطق الشرقية، حجبت الرؤية وحولت النهار ليلاً، واقتلعت الأشجار من جذورها، واضطرت السلطات إلى منع المواطنين من الخروج من بيوتهم.

العواصف الرملية على اختلافها هي، في العادة، سمة البلدان المتاخمة للصحراء، وليبيا من ضمنها. الفرق في العاصفة الأخيرة أنها هبت على البلاد في وقت ليس مألوفاً؛ إذ إن أغلبها، عادة، يهبُّ في أوقات ما بين تغير الفصول، خصوصاً مع اقتراب نهاية فصل الشتاء وقدوم فصل الربيع. ومثل غيرها من العواصف، جاءت وغادرت سريعاً، وأعقبها هطول مطرٍ أفضى إلى التخلص من كل ما تركته معلقاً في الجو من أتربة، واستعادت السماء صحوها.

لكن في حركة الواقع اليومي، بقيت تقلبات الأزمات السياسية على حالها، وازداد المواطنون اختناقاً من سوء الأحوال وتدهور الخدمات، ابتداءً من ازدحام الشوارع والطرقات بحركة المرور وإصابتها بالشلل، وانتهاءً بالأزمة المالية التي يؤكد خبراء اقتصاديون أنها تهدد البلاد بالإفلاس، واللجوء إلى الاقتراض والاستدانة. سعر الدولار مقابل الدينار الليبي تجاوز هذه الأيام حاجز التسعة دنانير.

التقلبات السياسية في مختلف قارات العالم وما تفضي إليه من أزمات دولية وحروب، لا تزال تحول بين شعوب وأمم العالم وبين السلام. الحرب التي قادتها أميركا في بداية التسعينات من القرن الماضي ضد العراق مثلاً، أدت إلى اقتلاع النظام البعثي من جذوره بعد إعدام رئيسه، لكن آثارها السلبية لا تزال باقية إلى يوم الناس هذا. والإعصار «الترمبي» في أميركا يكاد يكون مثالاً نموذجياً لما تحدثه الأعاصير والعواصف السياسية من تغييرات في العالم. إحكام ربط أحزمة المقاعد لن يعصمنا من دوار التغيير أو خطر السقوط.

اللافت في الأمر أن التقلبات الجوية والسياسية على السواء تحظيان باهتمام الناس ووسائل الإعلام لكن لأسباب مختلفة. إذ يمكن تفادي الأولى من خلال الحيطة والحذر المسبقين عبر تحذيرات محطات الرصد الجوي. وتحرص وسائل الإعلام المختلفة على رصد ومراقبة الطقس في نشراتها والتنبؤ بتقلباتها مستندة إلى خبراء الطقس من علماء وما أبدعته التقنية من أجهزة متطورة، في حين يفشل خبراء السياسة في التنبؤ باتجاه الرياح في السياسة، رغم اجتهاداتهم وفق ما يتوفر لديهم من معطيات. لعل أفضل مثال يحضرنا فشلهم في التنبؤ بمدى التغيير المحتمل حدوثه في علاقة أميركا بالعالم عموماً، وبحلفائها خصوصاً، بعد وصول الرئيس الحالي ترمب إلى السلطة.

ما نشهده يحدث يومياً في أميركا هذه الأيام يعدُّ - في رأيي - ثورة بالمعنى الحرفي للكلمة. ثورة تهدف إلى جرف كل ما أرساه عبر مائتين وخمسين عاماً، الآباء المؤسسون الأميركيون من قيم ومبادئ ودستور وتقاليد وفصل بين السلطات، ومكانها يتم ترسيخ قيم ومبادئ أخرى. وكل ذلك يتم وفق رؤية يمينية انعزالية، تحت شعار زئبقي يسمى «استعادة مجد أميركا».