د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

عام 2025... دروس وعبر

استمع إلى المقالة

مع بداية عام 2026، أتمنى لكل قراء جريدة «الشرق الأوسط» عاماً سعيداً، وتمنياتي للجميع بالصحة والهناء والرخاء؛ وسنتوقف في هاته المقالة عند أهم محطات سنة 2025 في الساحة الدولية، وذلك بتجاوز القشرة السطحية لمقتضيات الأحداث، وتأمل الأسباب التي تتحكم فيها، والنظر في حركتها المديدة الفاعلة في العمق، حتى تتم الفائدة من هذا النوع من الحصيلة السنوية في أدبيات التحليل الجيوسياسي:

- عاد في بداية السنة الماضية، الجمهوري النيويوركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وهي حالة استثنائية في تاريخ الرئاسيات في الولايات المتحدة الأميركية، لأن حملته الانتخابية تخللتها محاولتا اغتيال، و4 لوائح اتهام وإدانة جنائية، ومع ذلك صار ثاني رئيس ينتخب لولايتين غير متتاليتين في تاريخ أميركا بعد الديمقراطي غروفر كليفلاند عام 1884، وحمل ترمب صورة له تخالف الرؤية التقليدية لأميركا عن العالم، قائمة على مبدأ «مصلحة أميركا أولاً»، وقد طبقها في ولايته الأولى وزاد من جرعاتها في هاته الولاية الثانية.

- ما زالت الحرب قائمة بين روسيا وأوكرانيا، ولم يوقف الدعم الغربي لكييف توغل القوات الروسية ولا منعها، بل وبدأ الرئيس بوتين يستعيد مكانته وحيويته في الساحة الدولية، كما أن إسرائيل قامت بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بالقضاء على وكيلَي إيران في المنطقة: «حماس» ثم «حزب الله»؛ ثم قامت برفع الغطاء عن نظام الأسد في سوريا، وأشعلت الحرب بينها وبين إيران، كما قامت الولايات المتحدة الأميركية بشن غارات على إيران وقبلها على الحوثيين في اليمن.

- أخطأت إيران التقييم عندما ظنت أن لها حماية بفضل وكلائها في المنطقة الذين يؤمنون بمبدأ الموالاة لولي الفقيه، كما أخطأت عندما اعتقدت أنها تجيد استعمال أدوات مذهبية بالاستغلال والتجييش الطائفي، وأنها نجحت في تعزيز المصالح القومية الإيرانية، والتمركز داخل النظام الإقليمي، وابتزاز الخصوم والأنداد.

- هناك مسلمة اليوم أنه من خلال ما يجري اليوم من أحداث دولية، فإن قانون القوة هو الطاغي فيما يجري وما سيجري من أحداث، بمعنى أن كثيراً من القوانين الدولية ستبقى حبراً على ورق، وكثيراً من المنظمات العالمية ستدخل في سبات عميق، وسيقوي كلٌّ هذا النفاقَ الدولي وازدواجية المعايير التي تخدم مصالح القوى العظمى، وسينمي كل يوم الخط الفاصل بين دول الجنوب الشاملة والفاعلين الكبار في النظام العالمي، بل وسيسهم في الزيادة من حدة التوتر بين القوى العظمى أنفسها.

- نشرت الولايات المتحدة الأميركية وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2025، وهي بمثابة إعلان استراتيجي شامل ينبئ عن نهاية مرحلة كاملة من النظام العالمي القديم، ويرسم خريطة طريق للفاعلين الأميركيين داخلياً وخارجياً، ويشكل قاعدة بيانات لدول العالم تستطيع من خلالها رسم سلوكياتها الحالية والمستقبلية... وتعكس الوثيقة في كل فقراتها قناعة الإدارة الأميركية بأن العولمة بصيغتها القديمة لم تعد تخدم الاقتصاد الأميركي، وأن استمرار الالتزامات الأمنية الواسعة لم يعد ممكناً، خصوصاً على حساب الاقتصاد الوطني، وتعترف الوثيقة بصعود آسيا بوصفها محوراً جديداً للنمو والاستثمار، وأن التحالفات الحالية يجب أن تقاس بالمنافع الاقتصادية، لا بالقيم السياسية.

- أكبر خاسر في الوثيقة هي أوروبا التي كان أهلها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تحت المظلة الأميركية، وتجد نفسها اليوم خارج الحسابات الجديدة، فلم تعد الشريك الذي يُحمى، بل الشريك الذي عليه أن يتحمل التكلفة، فالوثيقة تسطر بأن مرحلة «الدعم الأميركي المفتوح» قد ولَّت، وأن على أوروبا رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.5 في المائة من الناتج المحلي، وأن عليها النظر في سياسات الهجرة التي تتبعها وتكلف اقتصاداتها الملايين من الدولارات.

بهذه المقاربة، يمكن اعتبار التوجه الأميركي بمثابة تحول استراتيجي كبير سيغير بنية التحالف الأطلسي خلال السنوات المقبلة.

- والنتيجة أن أوروبا بسبب ضعفها العسكري ستتقبل سراً كل ما ستسطره الإدارة الأميركية لحل النزاع الروسي - الأوكراني، ورغم التصريحات المتباينة من طرف رؤساء أوروبا، ودعم هؤلاء العسكري والمادي لكييف، فإن التوجه الحالي هو دفع أميركا إلى إيقاف الحرب في المنطقة، وعدم التصعيد العسكري مع روسيا، وعدم إقبال الاتفاق المؤسس بين روسيا والحلف. وستكون روسيا طبعاً المستفيد الأكبر من تخلّي واشنطن عن أوروبا، إذ ستحصل على إمكانات أكبر للمناورة الاقتصادية والجيوسياسية.

- تعد الصين أكبر منافس لأميركا، والصراع معها هو صراع تكنولوجي وصناعي أكثر من كونه صراعاً جغرافياً: فالصين تملك أكثر من 30 في المائة من الإنتاج الصناعي العالمي، وتسيطر على أزيد من 40 في المائة من سلاسل الإمداد المتقدمة، كما أن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تجاوزت 70 مليار دولار.