يمكنني ذكر العديد من الأفكار التي نعتقد نحن البشر أنَّه يمكننا جميعاً الاتفاق عليها، ولكن لا أحد منا يطبقها. جميعنا نحب أن نُذكّر الآخرين بأنَّ الوقاية خير من العلاج، وأنَّ الوقت أثمن من المال، وأنَّ تغير المناخ يُشكّل تهديداً وجودياً. ومع ذلك، يبدو تقريباً أن لا أحد منا أبداً يعمل بنصائحنا الخاصة. على مرّ السنين، توصلت إلى الإدراك المأساوي أن حلَّ الدولتين للنزاع العربي الإسرائيلي هو أحد هذه البديهيات البالية التي نحب أن نشرحها، لكننا نفشل في متابعتها أبعد من كلماتنا.
استمرار هذا الصراع الرهيب لم يكن مقبولاً قبل 50 عاماً؛ وهو اليوم أشدّ بشاعةً. لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي سمعت فيها نفسي وآخرين نكرر كلمات «هناك إجماع دولي واسع على حل الدولتين لإسرائيل وفلسطين، فما الذي ننتظره؟»، على الرغم من دعم العديد من الدول والشخصيات البارزة وقرارات الأمم المتحدة لهذا الحل، والاتفاق حتى على أدق التفاصيل، فإننا لم نشهد أي تقدم يُذكر.
بالعودة إلى البديهيات التي جميعنا نرددها دون أن نتصرف بناءً عليها، دعونا نحاول أن نفهم ما الذي يمنعنا من اتخاذ إجراءات. أولاً، أعتقد أن هناك معضلة المساءلة، حيث لا يشعر أحد حقاً بأنه المسؤول في نهاية المطاف. علاوة على ذلك، هناك تباين بين التكاليف التي يجب أن نتحملها والفوائد المستقبلية، بما في ذلك بخس تقرير الضرر الذي يسببه السماح للوضع الخطير أن يتفاقم. ولعل الأهم من ذلك كله، يبدو أن التكرار المستمر لأي بديهية يصبح بديلاً عن التصرف بناءً عليها.
اسمحوا لي إذن بالدخول في الموضوع مباشرة. المأساة والإذلال اللذان عاشهما الفلسطينيون طوال قرن تقريباً، إلى جانب الشعور الدائم بانعدام الأمن الذي عانى منه اليهود منذ زمن طويل قبل المحرقة (الهولوكوست)، لا ينبغي أن يترك لنا ذلك أي شك في أننا مدينون لهم ولأنفسنا بضمان أن يصبح 2026 عام حل الدولتين للإسرائيليين والفلسطينيين.
عندما أجمع العالم في ثمانينات القرن الماضي على أن نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا كان مروعاً وغير مقبول، سمح هذا الإجماع للمجتمع الدولي بالعمل بشكل جماعي وبإجماع شبه تام من خلال وسائل متعددة، مما نجح في إجبار نهاية نظام حقير. حان الوقت لنتعلم هذه الدروس، أخيراً، ولتطبيقها على حل الدولتين لإسرائيل وفلسطين.
مجموعة من الإجراءات الأخلاقية لإلغاء الشرعية، والعقوبات المؤلمة، والعزل الثقافي، التي تحظى بدعم دولي كامل، ومترافقاً مع إدراك تغير مجرى التاريخ، أنهت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فإذا استمرت إسرائيل في التلكؤ بشأن إقامة دولة فلسطينية، فيجب تطبيق إجراءات الضغوط العالمية نفسها على إسرائيل لتنفيذ القرارات العديدة للأمم المتحدة، أخيراً، الاتفاقيات التي رعتها الولايات المتحدة، والمبادرات التوافقية مثل مبادرة السلام السعودية لعام 2002، مما يُسهم بشكل قاطع في حل الدولتين. من الضروري أن تستثمر أميركا بالكامل في نفسها، مرسلةً رسالة قوية إلى العالم بأن أكثر النزاعات تعقيداً يمكن التغلب عليها وأن العدالة في النهاية تنتصر.
لم يعد لدينا وقت نضيعه. لقد حان الوقت لنترجم أقوالنا إلى أفعال، ولنكرس كل مواردنا لمنح الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء كرامة العيش بسلام. مهما كانت الترددات أو التكاليف الخفية التي نعتقد سراً أننا نواجهها، يجب علينا جميعاً أن نتحمل المسؤولية ونبذل قصارى جهدنا من أجل السلام. يجب على دول عدم الانحياز أن تدعو إلى عقد جلسة خاصة للجمعية العامة لإصدار قرار يعترف بالتنفيذ الفعلي لدولة فلسطينية كما تم تعريفها وقبولها في القرارات السابقة.
