طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

عادل إمام في المنطقة الآمنة

اختيار التوقيت الذي يدفعك كي تقول نعم أو لا، هو المعضلة التي تفرق بين فنان وآخر، وأيضاً إنسان وآخر، وفي كل المجالات، على شرط أن يسبق كل ذلك حلم، وهدف بعيد المنال تسعى لتحقيقه.

بمجرد أن تم تتويج عادل إمام بلقب «زعيم التمثيل العربي» شعرت أنه وصل للذروة.

«الزعيم» صفة صاحبت عادل قبل نحو 30 عاماً، عندما لعب بطولة المسرحية التي حملت الاسم نفسه.

أضافت له «جوي أوردز» قبل أسابيع صفة «العربي»، وقال رئيس هيئة الترفيه المستشار تركي آل شيخ، إن هذا اللقب يمنح لمرة واحدة، ولم ولن يتوج به فنان آخر سوى عادل إمام، وكأنه يقرأ بالضبط مفتاح عادل، يرفض عادل أن يقف في الصف، فهو حالة خاصة لا تعرف «الطابور».

عرفت عادل إمام، مطلع الثمانينات عندما أحدث انقلاباً بكل المقاييس على الساحة الفنية، اكتشف السينمائيين أنه يحقق أرقاماً في شباك التذاكر، تتفوق بمسافات شاسعة على كل من يأتي بعده من النجوم.

كانت أغلب مشروعات الأفلام تسعى أولاً للحصول على موافقته وتوقيعه، ولهذا لم يجد أي ممانعة عندما تضاعف أجره عدة مرات، شباك التذاكر ظل داعماً له في الوسائط الأربعة «سينما، مسرح، تلفزيون، إذاعة»، ودائماً هناك فرق في الأرقام.

لم يفرض عادل تفرده لمجرد أنها رغبته، أدرك من البداية أن الوسط الفني لا يتعامل إلا مع الأرقام، ولا يصدق إلا الأرقام، وهكذا كان هو الأعلى وبفارق شاسع. كانت مسرحية «مدرسة المشاغبين»، هي بداية التفرد، سعيد صالح وقتها هو النجم القادم، بعد جيل الكبار فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي وأمين الهنيدي ومحمد عوض، وبالفعل تم ترشيحه لأداء دور «بهجت الأباصيري»، كان هو «الألفة» بين الطلبة، ومعه «مرسي الزناتي»، طلب عادل من صديقه سعيد استبدال الأدوار، وبالفعل خرج عادل وسعيد منتصرين ويتقاسمان الزعامة الكوميدية، بهجت «المخ» ومرسي «العضلات»، ومع الزمن انتصر المخ على العضلات.

كان من المنتظر أن يتشارك الجميع بعدها في بطولة «العيال كبرت»، وكأنها الجزء الثاني من «المشاغبين»، إلا أن عادل وضع خطة مغايرة، وهي البطولة المنفردة، وبعد سنوات قلائل جاءت «شاهد ما شافش حاجة» الأفضل بين كل مسرحيات عادل إمام. صار مسرح عادل إمام المقصد الأول للعرب، واعتُبر أحد المعالم السياحية، عدد من الخليجيين كانوا يحددون رحلة نهاية الأسبوع على توقيت عادل إمام، يشاهدون مسرحيته، ثم يغادرون أرض المحروسة وبداخلهم فيض لا ينفد من الضحكات.

عقل عادل إمام دفعه مرتين لتغيير البوصلة السينمائية، الأولى مطلع التسعينات، أدرك عادل أن عليه التعبير عن موقفه السياسي، واستوقفه اسم المخرج شريف عرفة، لم تكن أفلام شريف السابقة مثل «الأقزام قادمون» و«الدرجة الثالثة» و«سمع هس» قد حققت إيرادات، وجد عادل في شريف نبضاً سينمائياً قادماً، التقط الكاتب الكبير وحيد حامد الخيط وكتب وأنتج «اللعب مع الكبار»، الذي حمل نبضاً سينمائياً وسياسياً ناضجاً وجريئاً، وتكرر الأمر خمس مرات، في أفلام دخلت تاريخنا، مثل «الإرهاب والكباب» و«طيور الظلام».

في نهاية التسعينات اكتشف عادل أن عليه إعادة توجيه البوصلة مجدداً، وشباب هذا الجيل، الذي حمل صفة «الروشنة» يريد نوعاً آخر من الكوميديا، وهكذا توجه إلى الكاتب يوسف معاطي، القادر أكثر على قراءة مفرداتهم، وكان هو صاحب الرصيد الأكبر في أعمال عادل سينمائياً وتلفزيونياً.

ويطل السؤال الشائك عن علاقة عادل إمام بالسلطة؟

عادل حاول أن يقف في المنطقة الآمنة، فهو صوت الشعب للسلطة، وصوت السلطة للشعب، يعلم أن الدولة لديها أوراق، وفي الوقت نفسه يدرك أن النظام سيحافظ على بقائه، وهكذا عاصر تغيير السلطة خمس مرات منذ زمن عبد الناصر، واقفاً تحت مظلة المنطقة الآمنة.

وجاء موعد الاعتزال قبل ثلاثة أسابيع، متوجاً بلقب «زعيم الفن العربي» من «جوي أوردز»، ليصبح ختامها مسكاً!