يخيّم على سكان قطاع غزة قنوط عميق وشامل؛ وهذا ليس مفاجئاً، بل يصعب على المرء أن يجد غزّياً واحداً، على الأقل، يحتفظ ببقية باقية من أمل واهٍ بمستقبل لا يستطيع السيطرة عليه، كالبراكين والزلازل المدمرة. «لا مخرج»... تلك هي الكلمة التي تتردد على أكثر من لسان وفي أكثر من مناسبة، حتى على لسان أولئك الذين تحدّوا كل منطق، وتدبّروا إبقاء شمعة الأمل الواهي موقدة على مدى أحلك الأوقات وأكثرها ظلاماً.
ولم ينجم انهيار المعنويات الجماعي هذا عن تصاعد دخان عنف الهمجية الإسرائيلية ولا عن انتشار دعاة جبهة الأكفان وعشاق الموت فحسب، بل أيضاً عن سلطة «حماس» التي تقوم بتدوير الأزمات واستعمالها طاقة جديدة في توليد أزمات جديدة.
لكن السؤال الذي ظلّ يحوم فوق الرؤوس دونما إجابة شافية هو: لماذا أدّت سيطرة «حماس» على مفاصل السلطة في غزّة إلى اختلال التوازن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني في بنية المجتمع الغزّي؟
إن كان ثمة محاولة لرؤية ما لا يرى بعين تستبطن التفاصيل المطمورة بطبقات من الأتربة، فلا نغالي إذا قلنا إن النواة الصلبة لقيادة «حماس» المفعمة بطموح الزعامة والمترعة بما لا حصر له من المغانم، يتحدّر معظمها من أبناء اللاجئين الوافدين من قرى قضائي المجدل والرملة إلى غزة: أحمد ياسين، وإسماعيل هنية وصلاح البردويل - الجورة (المجدل)؛ عبد العزيز الرنتيسي، وموسى أبو مرزوق وغازي حمد - يبنا (قضاء الرملة)؛ يحيى السنوار (المجدل)؛ نزار عوض الله - حمامة (المجدل)؛ أسامة حمدان - السوافير الشرقية (المجدل)؛ فتحي حمّاد وعماد عقل - بربرة (المجدل). كما تكاد البيئة الحاضنة لهذا التنظيم أن تكون متماثلة إلى حدّ كبير، فيها كثير من الثأر من مجتمع مديني قاسٍ، وفرض احترام الذات اللاجئة بإيقاع الهلع في قلبه.
هذه الزعامة وبيئتها الحاضنة اللتان لا يمكنهما أن يلبسا طاقية الإخفاء لطمر أصولهما، هما نتاج حروب وأزمات واقتلاع، يجمع بينهما الكراهية المشتركة للغزّيين الأصليين، ولن نستطيع أن نفهم نزعتهما التدميرية إزاء المجتمع الغزّي إلا إذا استوعبنا هذه الحقيقة الجوهرية، الحقيقة التي تنعكس بوضوح في استنكاف زعامة «حماس» من تطوير أيّ جانب من الحياة الاجتماعية لسكان القطاع رغم تدفّق مئات الملايين من الدولارات إلى جيوبها؛ قالها أبو مرزوق أخيراً بلسان عربي فصيح، إن «مسؤولية المدنيين الغزييّن لا تقع على عاتق حركته». هنا، لا نجانب الصواب إذا قلنا إن «حماس» ظلّت مسكونة بأرواح الآباء الذين عانوا كلاجئين تمييزاً من المجتمع المحلي الذي ما برح ينظر بازدراء إليهم نظرة «العارف الفطن» إلى «البليد الجاهل»، وكان الخط الفاصل حاداً وواضحاً بينهما، ولم يكن مصطلح لاجئي «خلف السكّة» الدارج، سوى تعبير مبطّن لهذا الفصل، مضافاً إليه غمزات وإشارات تهكمية إزاء «النكرات الجهلة»، لم تنعم بهناءة الإفصاح. ونحن نعلم الآن أن هذه الروح خلّفت لدى الأبناء جروحاً وقروحاً لم تندمل يوماً.
ينبغي، بهذا الصدد، ألا نغفل عن حقيقة أن تدفق موجات اللجوء التي شهدتها غزّة، عقب نكبة 1948، ضاعفت الديموغرافيا السكانية للقطاع ثلاثة أمثال تقريباً (من 80 ألفاً إلى نحو 300 ألف نسمة)، وكان الاقتلاع لدى هؤلاء اللاجئين مفزعاً، ولم يكن بوسع أيّ مراقب عاقل أن ينكر أن أوضاع الآباء كانت مروّعة ومفزعة، بل كانت تتردّى على نحو مطّرد بالفعل، فقد عاشوا في إهاب كوابيس وحالات عصاب دون أن يجدوا مجتمعاً محلياً يلتفت إلى عنائهم المستديم من الآثار الطرية للاقتلاع، وقد تجلّت في أبرز مظاهرها، على نحو لا يمكن إنكاره، أن هؤلاء لم يجدوا سقفاً يستظلون به، ولا كساء يستر أجسامهم، ولا لقمة تبعد عنهم شبح المجاعة. وتعاظمت الآثار الفظيعة لهذا الإهمال عندما أوصد الغزيّون أبوابهم بإحكام في وجوههم، فلجأ البعض إلى الإقامة في الثكنات المهجورة وفي المدارس وأماكن العبادة، وافترش البعض الآخر العراء.
وإذا أعدنا النظر في تلك الفترة، يتعذّر علينا أن نرسم صورة متوازنة للأهوال التي رزح تحتها أولئك اللاجئون الأكبر عدداً والأشدّ غضباً والأكثر إهمالاً. هذه الغلبة الديموغرافية للاجئي «خلف السكة» كانت واقعة تنبئ بتحول سوسيولوجي، دفع إلى السطح كتلة سديمية بدأت تشهر أسمالها احتجاجاً، وكانت بالفعل مرتعاً لحركات الاحتجاج وحقلاً للبحث عن دفء المسجد وحساء «الأونروا» الخيري وحصصها التموينية، مطلقة كل قوى التدمير الكامنة فيها.
علينا، إذن، ألا نجتهد كثيراً في الأسباب التي أدّت إلى ظهور حركة «حماس»، ذلك أن اللاجئ الذي وجد نفسه مع أقرانه في بيئة غزّة الغريبة والقاسية، كان يحثّ الخطى بصورة طبيعية إلى بناء شبكات تضامنية مع أبناء بلده الأصلي. وهذه الملاحظة هي مفتاح ما نودّ التشديد عليه هنا، إذ لم يكن أمراً مستغرباً أن يحتل لاجئو غزّة مواقع استراتيجية داخل بنية هذا التنظيم الذي قرع بعنف على أبواب القطاع معلناً هذا المستوى المقلق للغزييّن من صحبة الموت. ولئن كانت إطلالته اقتحامية كأنه اندفع لحجز مقعد في مكان فارغ يتسابق مع آخرين لاقتسامه، فقد بدا باكراً أنه يؤمن بأسلوب انتزاع الأدوار والمواقع عوضاً عن التنافس مع الآخرين للفوز بها، كما أوحى منذ 2007 بأنه قادر على أن يخيف أكثر مما هو قادر على أن يقنع، لكنه مع ذلك أظهر قدرة على الاستقطاب، ليس من خلال إتقانه استعمال سلاح اللاهوت في الآيديولوجيا، بل لأنه بعث لدى مكوّن لاجئي غزّة شعوراً برفض الاستكانة التي ميّزت بالإجمال تراثهم التاريخي، وأعادتهم إلى موقع هامشي على الخريطة الاجتماعية.
ولئن عبّرت الحرب الأخيرة عن نفسها بطرح سيناريوهات للتعاقد بين مكوّني المجتمع الغزّي على بساط البحث بشكل شامل وحادّ، فإن أيّ سيناريو يستهدف الانتقال من حالة «ثقافة الموت» إلى نوع من السلم الأهلي وفي أي صيغة كانت، لن يكتب له النجاح إلا إذا تبوأت النخبة المدينية الغزّية المتأصلة محلياً إدارة القطاع، بعد أن تهشّمت خلال عقد الثمانينات، وباتت ركاماً من فئات مهمّشة. هذه النخبة التي جمعت بين «الوجاهة» والفعل السياسي، كالشوا والريّس وبسيسو والصوراني وسكيك وشرّاب والعشّي وأبو شعبان وغيرها من العائلات التي كانت أهلاً للثقة، أدارت القطاع بكفاءة على مدى ثلاثة قرون دونما انقطاع، ولكن، هذه المرّة، بإشراك فاعل لنخب واعدة تنحدر من عائلات لاجئة، وهو السيناريو الواقعي الصعب، الذي لا بدّ من الركون إليه، لرأب الصدوع في النسيج الاجتماعي الغزّي.
وإذا كانت مواصلة حساب سقوط الضحايا المدنيين تبدو اليوم غاية بالصعوبة في قطاع لا يزال يزرع الجثث ويسقيها كل يوم، فإن اختفاء رائحة الموت من غزّة مشروط اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، بالدعوة الصريحة لإخراج هذه النخبة المدينية من دائرة العزلة إلى الفعل السياسي.
