إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

إرهاب من نوع آخر

تعذيب للذات. هذا ما أخضعت نفسي له وأنا أدخل لمشاهدة فيلم «نوكتوراما» في صالة باريسية. شيء يشبه أن تتابع فيلمًا عن كارثة جوية وأنت في رحلة بالطائرة. فأن تعيش في عاصمة يتجنبها السياح خشية عمليات إرهابية ثم تجلس لساعتين تتفرج على أدق تفاصيل التخطيط لعملية مروعة وتنفيذها، في أماكن قريبة منك، هو تعذيب يشفع له أنه من النوع الفني الراقي.
لم يكن الهجوم على مجلة «شارلي» قد وقع في باريس، بعد، حين بدأ المخرج الفرنسي برتران بونيلو كتابة سيناريو هذا الفيلم الذي كان اسمه «باريس عيد»، في استعارة لعنوان رواية قديمة للأميركي إرنست همنغواي، تتغنى بمباهج العاصمة الفرنسية. وأعيدت طباعة الرواية بعد الهجمات التي زعزعت العاصمة الفرنسية في الخريف الماضي، حين استهدف إرهابيون حفلاً موسيقيًا وعددًا من المطاعم والمقاهي. وكان استذكار عنوان همنغواي بمثابة رسالة بأن الحقد لن يطفئ أنوار المدينة. وغداة الجريمة، كنت ترى الباريسيين يقصدون بالآلاف المواقع التي سقط فيها الضحايا، يوقدون شموعًا ويضعون أزهارًا ويتركون نسخًا من «باريس عيد».
بعد الهجمات، اضطر المخرج إلى تغيير العنوان. فالإرهاب الذي يقصده في الفيلم لا يشبه، في دوافعه، ذلك الواقع على الأرض. وكانت هناك لافتة، عند مدخل الصالة، تحذر الجمهور من وجود مشاهد تصدم حساسيتهم. والحقيقة أن الفيلم خلا من صور جثث ممزقة ودماء غزيرة، لكنه كان صادمًا في حبسه الأنفاس، وكأن حجرًا ثقيلاً يجثم على الصدر. فالأحداث تدور كلها ما بين ظهيرة يوم وفجر اليوم التالي. وفي النصف الأول من العرض تغيب الحوارات بينما تتابع الكاميرا، في لقطات سريعة منفذة بشكل جيد، مجموعة من الشباب، بينهم فتاتان، يخططون لشيء ما. يسيرون في الشوارع. يأخذون المترو. يدخلون مباني رسمية. يفتحون أبواب سيارات متوقفة في الطريق. يصورون أمورًا بهواتفهم ثم يتخلصون من الهواتف بإلقائها في سلال القمامة. وبعد ذلك يلتقون في متجر كبير من عدة طوابق، يعطلون جهاز الإنذار وينتظرون، وحدهم في المتجر، طوال الليل. ثم، في القسم المخصص لبيع أجهزة التلفزيون، يرون الشاشات الكبيرة تنقل الخبر العاجل عدة تفجيرات متزامنة في باريس.
عمليات إرهابية؟ نعم. إسلامية؟ لا. فالأماكن المستهدفة هي مصرف شهير، ووزارة الداخلية، وتمثال جان دارك وسط العاصمة، والبرلمان الذي تنفجر عند رصيفه عدة سيارات. أما المشاركون فهم من مذاهب وأصول مختلفة. بيض وسمر وسود. أبناء مهاجرين فقراء ومعهم شابة فرنسية حسنة الهندام ونجل موظف رفيع في الحكومة ورجل بملامح أوروبية يزودهم بالعبوات. وحين يسأل أحدهم رفيقه ذا الملامح العربية: «هل نذهب إلى الجنة إذا قتلونا؟». يسخر منه قائلاً إنهم، في الحرب العراقية الإيرانية، أرسلوا الأطفال لكشف الحدود المزروعة بالألغام لأن البالغين امتنعوا عن القيام بتلك المهمة.
تفسير سينمائي للإرهاب دفع صحيفة شعبية إلى نشر مقال بعنوان: «لماذا يبدو فيلم برتران بونيلو جميلاً ومزعجًا؟».
جميل لأنه مرسوم بعناية، مع موسيقى واختيارات غنائية ذات مغزى. فالمخرج يحترف، أيضًا، التأليف الموسيقي. وقدّم مشاهد جميلة للشبان الذين وقفوا مبهورين أمام البضائع الراقية في المتجر الضخم، يتذوقون أطعمة لم يعرفوها من قبل ويرتدون ثيابًا كانوا يرون صورها في الإعلانات. وفي مشهد سينمائي من تلك التي تبقى في الذاكرة، يرتدي أحدهم باروكة لشعر طويل، مثل فريق «البيتلز»، ويؤدي أغنية فرانك سيناترا الشهيرة: «قمت بها على طريقتي».
وهو فيلم مزعج للمتفرج الفرنسي لأنه يفكّ الارتباط بين الإرهاب والإسلام. ولأنه يوجه أصابع الاتهام إلى مسؤولين يتبادلون الامتيازات، ونظام يعبد المال، ويتمسك برموز قديمة، ويسحق القيم التي تعترض طريقه. «إرهاب موجه ضد الدولة». هذا ما يصرّح به أحد المسؤولين بعد التفجيرات. وحين يستفهم أحدهم من شابة عابرة في الطريق عن سبب الوجود الكثيف لسيارات الإسعاف والشرطة، تقول له بأن هناك تفجيرات في عدة أماكن. ثم تردف وكأنها تخاطب نفسها: «كان لا بد أن يحصل هذا في يوم ما».