نحن في الساعات الأخيرة من شهر التاريخ الأفريقي الأميركي، وهو الوقت الذي يُنحى جانبا من كل عام ليعكس صراعات الأفارقة وتضحياتهم لتحقيق الوعد الأميركي.
بدأ تقديري للمساهمات الأفريقية الأميركية منذ أربعينات القرن الماضي مع الاحتفالات السنوية لأسبوع تاريخ الزنوج في مدرسة ستيفنز الابتدائية في مجتمع ويست إند / فوغي السفلي. وكان في عاصمة بلادنا حيث خبرت أو تجربة من تجارب العار في الولايات المتحدة.
علمتني مدرسة أحد الحرية المعمدانية الوصايا العشر. وعلمتني السلطات المدنية بقية الوصايا الأخرى. ومن بين ما تعلمته: يجب عليك ألا تلتحق بمدرسة غرانت الابتدائية في شارع جي بشمال غربي العاصمة، والتي كانت مخصصة للطلاب البيض فقط. ويجب ألا تحاول الدخول إلى مسرح الدائرة في شارع 21 وبنسلفانيا بشمال غربي العاصمة، إذ لا يُسمح بالدخول إلا للبيض فقط. ولا ينبغي لك مجرد التفكير في تناول غدائك في وسط المدينة.
يمكنك شراء الصودا والسندوتشات من الصيدلية في ركن الشارع 25 وبنسلفانيا بشمال غربي العاصمة، ولكن لا يمكنك الجلوس وتناول الطعام هناك. كما يجب عليك الوقوف في نهاية الصف والانتظار بصبر حتى يلتفت إليك أحدهم.
أوه، واشنطن في شبابي، كانت المكان والوقت حيث كان لون البشرة هو ما يحدد مكان إقامتك، والتحاقك بالمدرسة، وأماكن العبادة، والعمل، ومقدار المال الذي يُسمح لك باكتسابه.
تعلمت ذلك الدرس في أيام المراهقة أثناء بحثي عن العمل بدوام جزئي. التقط نسخة من صحيفة «واشنطن بوست» بتاريخ 3 يناير (كانون الثاني) لعام 1960 وأخبرني، ماذا ترى؟:
«مطلوب شبان بيض البشرة، العمر من 14 إلى 18 عاما. لمساعدة مدير الطرق بدوام كامل أو جزئي. يجب أن يتحلى بالهندام وحسن المظهر. التقدم لشغل الوظيفة في 1346 شارع كونيتيكت، شمال غربي واشنطن».
«مطلوب سائقو شاحنات من الملونين، لطرق القمامة، العمر أكثر من 25 سنة، إجازة مدفوعة الأجر، العمل طوال العام، لا بد من توافر سجل قيادة ممتاز. التقدم لشغل الوظيفة 1601 الشارع الغربي، شمال شرقي العاصمة».
«طلاب ذكور، بيض البشرة، العمر 14 عاما وأكبر، الوظائف متوافرة فورا. التقدم للوظيفة 724 الشارع التاسع بشمال غربي العاصمة».
بمنتهى البساطة: إن كنت ملونا، فلا تتقدم.
تحولنا إلى أسبوع تاريخ الزنوج، تحت ضغط غضبنا وإذلالنا، للاحتفال بالمتفوقين من الأفارقة مثل ماري ماكليود بيتون، وجورج واشنطن كارفر، وفريدريك دوغلاس، وتشارلز أر. دريو، وماثير هينسون، ورالف بانش، وجو لويس.
حتى مع الاحتفاء والتكريم السنوي لأبطالنا من السود وانتصاراتهم في مختلف المجالات، لا نزال قابعين رهن قبضة التمييز العنصري البغيضة.
من واقع تقرير التمييز العنصري في واشنطن الصادر في عام 1948: «30 في المائة فقط من سكان مقاطعة كولومبيا هم من الزنوج. ولكن الزنوج يشكلون نسبة 70 في المائة من سكان الأحياء الفقيرة في العاصمة»، كما يقول التقرير.
وليس من قبيل المصادفة، كما يقول ويندل إي. بريتشيت من كلية الحقوق بجامعة بنسلفانيا، الذي أوضح في رسالة مقدمة عام 2005، الكيفية التي يعمل بها النظام، حيث كتب يقول «فرضت المصالح القوية نظام التمييز العنصري القائم، ولا سيما على أولئك العاملين في قطاع العقارات، حيث نصت المدونة الأخلاقية لمجلس واشنطن العقاري في عام 1948 على حظر بيع، أو تأجير، أو الإعلان عن، أو عرض العقارات في القطاع الأبيض من العاصمة للمواطنين السود».
ولاحظ السيد بريتشيت: «كانت اتحادات السكان هي التي تحافظ على نظام التمييز العنصري إزاء السود، والتي كانت قد انضوت تحت مظلة اتحاد الجمعيات السكانية ذلك الذي وضع الحدود العنصرية للمدينة. وكانت النتيجة إجبار المواطنين السود على سداد قيم إيجارية باهظة في المناطق المحدودة التي يُسمح لهم بالإقامة فيها، وفي هذه المناطق كانت فرص الإسكان متدنية للغاية مقارنة بغيرها من المناطق».
وتابع السيد بريتشيت يقول: «كان الضرر الناجم عن التمييز العنصري متفاقما للغاية، كما خلص إلى ذلك تقرير عام 1948، من خلال برنامج التجديد الحضري الذي كان يعمل على تطهير المناطق التي يقطنها السود لإسكان المواطنين البيض من الطبقة المتوسطة. ولم يكن متوفرا للسود إلا 200 وحدة سكنية فقط، من أصل 30 ألف وحدة مخصصة للمواطنين البيض».
جيل الألفية الحالية ليسوا من جيل الرواد بحال. حيث بدا تحسين أحوال مقاطعة كولومبيا منذ عقود ماضية. ولماذا يحتفي بعضنا بشهر التاريخ الأفريقي الأميركي بعيون رطبة ودامعة؟ فلنعد بالزمن إلى ركن شارع بنسلفانيا والشارع الثالث في شمال غرب العاصمة في 1830. وانظروا إلى المبنى الفيدرالي المشيد من الطوب الأحمر القديم مع السقف الكئيب، والنوافذ الناتئة، والعصبات الحجرية؟ إنه يسمى فندق سان تشارلز. كما أنه له ميزة خاصة للغاية، فهناك في القبو توجد ست زنازين مقوسة تتسع لـ30 قدما طولا، مع أبواب معدنية ثقيلة، وحلقات معدنية مخيفة مثبتة على الجدران. كانت مأوى الرقيق.
انظروا إلى أسفل الرصيف. أترون المشاوي الغائرة التي توفر الضياء ومنافذ التهوية التي توفر الهواء للعبيد المحصورين.
كان سان تشارلز هو مأوى مزارعي الجنوب عندما كانوا يقدمون إلى واشنطن لبيع ما لديهم من عبيد. وعلى مسافة غير بعيدة، عند الركن الجنوبي الغربي من الشارع الرابع وشارع جي بشمال غرب العاصمة، يوجد سجن واشنطن. وهو مكان حبس العبيد الهاربين من العبودية. وحتى التحرر من الرق والعبودية، كان حتما على كل العبيد الالتزام بقانون حظر التجوال. وكان العثور على أحد الرقيق في شوارع واشنطن بعد غروب الشمس من دون إذن كتابي من المالك يعد بمثابة تذكرة ذهاب من دون عودة إلى السجن. وكان لا بد من إخطار المالك للمثول أمام آمر السجن لتحديد هوية العبيد وسداد الغرامة المستحقة قبل استعادتهم.
من الجر بالسلاسل وحتى إلغاء الاسترقاق، لاقينا المسيرات القسرية، والاعتداءات المقننة ضد الظلم، والبيت الأبيض، وجناح رئيس البلدية، وقاعات الكونغرس، وصالات الكليات، وغرف القضاة، ومجالس إدارات الشركات، والمنابر، ونوادي الضباط، ومكاتب المحررين.
تلك هي أسباب احتفالنا بذلك اليوم.
*خدمة «واشنطن بوست»
TT
تذكير بالتاريخ المزري للتمييز العنصري في أميركا
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
