عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

بريطانيا... سياسة الطاقة و«التليفون المسروق»

استمع إلى المقالة

بدأ الأسبوع في وستمنستر بتحذير لا بمفاجأة. في اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العمال يوم الاثنين، استمر وزير الطاقة إد ميليباند في اندفاعه نحو «صافي الصفر». سياسة لم تعد طموحاً، بل أثارت انتقاد عددٍ من نواب العمال، ووصفت بـ«آيديولوجية» أقرب إلى الهوس السياسي الذي يتجاهل الواقع.

تذمر نواب الحكومة في الصفوف الخلفية، مثل النائب الاسكوتلندي إيان موراي، الذي تحدَّى الوزير مباشرة، وكرَّر موقفه في وسائل الإعلام: كيف ترفض بريطانيا استخراج الغاز من بحر الشمال، بينما تستورده من النرويج من الحقل الجيولوجي نفسه؟

سؤال بديهي أصبح خطراً سياسياً على حكومة كير ستارمَر. بريطانيا لا تزال تعتمد على الغاز: نحو 40 في المائة من الإنتاج محلي، و35 إلى 40 في المائة يأتي من النرويج، وقد يتجاوز ذلك في الشتاء، والباقي مستورد كغاز مسال من قطر والولايات المتحدة، عبر المحيطات بتكلفة مالية وبيئية مرتفعة.

لكن المشكلة لا تقتصر على الاستيراد. فبالتوازي مع تقليص الإنتاج في بحر الشمال، تراجعت أيضاً قدرة التخزين الاستراتيجي للغاز، مما جعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات السوق والأزمات الدولية. ولذلك فتخفيض الإنتاج المحلي لا يقلل الاعتماد على الغاز، بل يزيد الهشاشة في تأمينه.

أي إنَّ بريطانيا لم تقلص اعتمادها على الغاز، بل نقلت مصدره إلى الخارج، وغالباً بتكلفة كربونية أعلى وبمخاطر استراتيجية أكبر.ميليباند مصرّ على رفض تراخيص جديدة لاستخراج الغاز من بحر الشمال، ولا توسيع للإنتاج المحلي، مع دفع التحول الطاقي مهما كانت تكلفته الاقتصادية. سياسة جعلها التناقض مع التجربة العملية أقرب إلى قناعة آيديولوجية منها إلى حسابات واقعية تؤمن الطاقة.

القلق يتسع داخل حزب العمال. نواب اسكوتلندا يرون تهديداً مباشراً لقطاع البترول والغاز، والنقابات تُحذِّر من تداعيات ذلك على العاملين في القطاع، فيما يمنح هذا النهج خصوم الحزب مادة سياسية جاهزة، ويعزز الانطباع بأن الحكومة أصبحت بعيدة عن الاقتصاد الحقيقي.

وهي سياسة ينتقدها الزعيم الأسبق توني بلير بقوله إن بريطانيا ستحتاج إلى الغاز لعقود، والأجدى إنتاجه محلياً بدلاً من استيراده. غير ذلك ليس استراتيجية، بل موقف آيديولوجي رمزي.

وبحلول الأربعاء، انتقل الجدل إلى قاعة مجلس العموم. فقد خصصت زعيمة المعارضة كيمي بيدنوك أسئلتها الستة في جلسة مساءلة رئيس الحكومة لموضوع الطاقة بوصفه سبباً في زيادة تكلفة المعيشة.

فأسعار الغاز تحدد فواتير الكهرباء والتدفئة، وتنعكس على أسعار الغذاء والنقل ومعظم السلع. ومع تداعيات الحرب ضد إيران واحتمالات اضطراب الإمدادات، يصبح السؤال الأول لدى الناخبين عن تكلفة الحياة اليومية.

طُرحت هذه النقاط مراراً داخل القاعة... لكن رئيس الوزراء ستارمر لم يُجِب مباشرة. بدلاً من ذلك، لجأ إلى مساره المألوف: مهاجمة المعارضة، واستحضار ملف إيران، وتكرار اتهام المحافظين وحزب «ريفورم» بدعم الحرب، وهو موضوع يعلم جيداً أنه غير شعبي لدى الناخبين، في محاولة لتغيير مسار النقاش.

وعندما اقتربت الأسئلة من صلب سياسة الطاقة، لجأ إلى حجة قانونية، مشيراً إلى قضايا مرتبطة بالطاقة والانبعاثات، ومستخدماً ذلك لتبرير التردد في منح تراخيص جديدة في وقت كان فيه وزير الطاقة نفسه طرفاً رئيسياً في هذا التوجه.

وعلى مستوى الأداء السياسي، بدا رئيس الوزراء مرة أخرى وكأنه يختبئ خلف وزيره، مستخدماً ميليباند كـ«متراس» يحميه من قذائف بيدنوك البلاغية. لكنها أصرت على طرح السؤال: من يضع السياسة؟ ومن يقود الحكومة فعلياً، أهو أم ميليباند؟

هذا الجدل لم يعد تقنياً، بل أصبح اختباراً لقدرة الحزب على التوفيق بين الطموح البيئي والواقع الاقتصادي وأمن الطاقة.

وزادت الشكوك في الأيام الأخيرة قبل عطلة عيد الفصح. فجدل تعيين بيتر ماندلسون سفيراً في واشنطن مستمر، بينما أثارت «سرقة» تليفون كبير موظفي مكتب ستارمر السابق، الذي يحتوي على رسائل مهمة، تساؤلات واسعة، خصوصاً بعد مطالبة البرلمان بالكشف عنها، وعن «توقيت» السرقة.

ثم، ومع تصاعد الضغوط، غادر رئيس الوزراء إلى قمة القوة الدفاعية في فنلندا، ضمن تحالف عسكري تقوده بريطانيا.

النمط يتكرر: ضغط داخلي، أسئلة بلا إجابات، ثم الهروب إلى السياسة الخارجية. في المقابل، تبقى الحقيقة واضحة.

بريطانيا ستواصل استخدام الغاز لسنوات. والسؤال ليس هل، بل من أين وبأي تكلفة؟ إنتاج محلي يوفِّر وظائف ويقلِّل الانبعاثات... أم استيراد مكلف، أعلى كربونياً، وأكثر اعتماداً على الخارج مع الاكتفاء بإرسال إشارات رمزية عن البيئة. هذه ليست استراتيجية انتقال، بل تناقض.

ومع ارتفاع الفواتير، بدأ الناخبون يتساءلون: هل هذه سياسة طاقة... أم مسرحية تجاهل الواقع؟ وبينما كانت طائرة ستارمر تُحلِّق نحو فنلندا، كان صدى التليفون «المفقود» لا يزال يرنُّ في أروقة وستمنستر.