إياد أبو شقرا
صحافي وباحث لبناني، تلقى تعليمه العالي في الجامعة الأميركية في بيروت (لبنان)، وجامعة لندن (بريطانيا). عمل مع «الشرق الأوسط» منذ أواخر عقد السبعينات وحتى اليوم، وتدرج في عدد من المواقع والمسؤوليات؛ بينها كبير المحررين، ومدير التحرير، ورئيس وحدة الأبحاث، وسكرتير هيئة التحرير.
TT

فرص اليمين الأوروبي... بعد «محليات» فرنسا!

استمع إلى المقالة

قالَ الناخبون الفرنسيون، خلال النصف الثاني من مارس (آذار) الحالي، كلمتَهم في الانتخابات المحلية (البلدية)، وذلك وسط رصد دقيق لمسار حزب «التجمّع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن و«ربيبها» جوردان بارديلا.

هذا الحزب كان اشتهر في بداياته، مطلع سبعينات القرن الماضي، بـ«الجبهة الوطنية» تحت قيادة مؤسسه جان ماري لوبن، والد مارين. ولقد كان صعوده لافتاً خلال العقود الأخيرة الماضية، لا سيما بعدما انتقل من ظاهرة شعبوية اعتراضية ومعارضة للمهاجرين إلى «حزب سلطة» حقيقي، يضم اليوم أكثر من 100 ألف عضو، وينتشر محازبوه ومناصروه في عموم أنحاء فرنسا.

لكن ما أكّد نجاح «الجبهة» – أو «التجمّع» منذ عام 2018 – في التحوّل إلى قوة سياسية يُحسب حسابها، لم يقتصر على تثبيت هذا الحزب حضوره على صعيدَي البرلمان والمجالس المحلية، بل تجلّى أيضاً في تأهل مرشحه الرئاسي ثلاث مرّات للجولة الثانية الحاسمة من الانتخابات الرئاسية أعوام 2002 و2017 و2022.

في المقابل، لئن كانت الأرقام تشير إلى أن هذا الحزب المتطرف ضَمِن لنفسه أن يكون الخيار الثاني على الأقل للناخب الفرنسي، فإن ثمة حقيقة ثانية مهمة. وهي تشير إلى أنه في المرّات الثلاث السابقة الذكر انخرط اليمين واليسار التقليديان - ومعهما الوسطيون والبيئيون وغيرهم - في تحالفات انتخابية تكتيكية، كان هدفها الوحيد منع وصول مرشحَي اليمين المتطرف (جان ماري لوبن عام 2002 وابنته مارين عامَي 2017 و2022) من الوصول إلى قصر الإليزيه.

بطبيعة الحال، التحالف تكتيكياً من أجل قطع الطريق على «غول» متطرف – في أي دولة من الدول – يتطلّب تضحية اليمين واليسار التقليديين بالكثير من برامجهما السياسية، ثم السعي إلى التفاهم على الحد الأدنى من القواسم المشتركة.

وهنا قد يقول قائل إن في التحالفات التكتيكية سلبيات مثلما لها إيجابيات. وهذا الكلام صحيح. فمن حيث المبدأ إنما تتعدّد الأحزاب السياسية؛ لأن لكل منها مواقفه وقراءاته للأوضاع العامة، والتطورات الاجتماعية والأمنية، والأولويات الاقتصادية والنقدية.

بالتالي، فإن اضطرار حزبين أو أكثر إلى الاتفاق على تأييد مرشح واحد سيؤدي تلقائياً إلى التخلي عن أجزاء في البرامج الحزبية التي تعبّر عن توجهات المحازبين. وحقاً، كثيراً ما تدفع الأحزاب التقليدية – بخلاف أحزاب «الكوادر» العقائدية – ثمناً باهظاً من صدقيتها أمام «شارعها» الملتزم، فينصرف عنها مفضّلاً التصويت لأي مرشح أو حزب يجد أنه الأكثر ميلاً إلى مطلبه الأول.

ثم إن معظم الأحزاب التقليدية، في غالبية الدول الديمقراطية، ارتبطت عبر تاريخها بشخصيات استثنائية عزّزت مكانتها عند مناصريها. ففي ألمانيا ليس كل مستشار تمتع بمكانة كونراد أديناور أو فيلي براندت، ولا في بريطانيا تكرّر أمثال ونستون تشرتشل أو مارغريت ثاتشر. وطبعاً، ليس كل رئيس قاد فرنسا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية... يجوز مقارنته بالجنرال شارل ديغول «يميناً»، أو فرنسوا ميتران «يساراً»! إلا أن غياب مثل هذه الشخصيات، بالوفاة أو التقاعد، عادة ما يُفقد أحزابها إرثها السياسي أو جاذبيتها «الكاريزمية».

أيضاً، تبدّل الظروف والتحدّيات، التي واكبت التبدّل في أوروبا، خلقا جملة من الحقائق، مثل:

1- تلاشي «الكتلة الشرقية» بعد انهيار «جدار برلين» وسقوط الاتحاد السوفياتي، ما أدى إلى تغيّر خريطة القارة الأوروبية، وبروز «الاتحاد الأوروبي» ككتلة بمواجهة روسيا الجديدة، بالتوازي مع تراجع الثقل اليساري الشيوعي الأوروبي.

2- التطوّر التقني الكبير سدّد ضربة موجعة لسوق العمالة (الوظائف)، وأدى تسارع إيقاعه بفضل «الروبوتات» و«الثورة المعلوماتية»، ثم «الذكاء الاصطناعي»، إلى تراجع قوة النقابات العمالية، ومعها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية. ومقابل ذلك ظهرت أحزاب «المطالب الضيقة» أو المحدودة، مثل الأحزاب البيئية والإقليمية (بما فيها الانفصالية)، وتنظيمات «القضية الواحدة» (كحقوق المثليين ومناهضة الإجهاض).

3 – إلحاقاً بما سبق، جاءت ظاهرة الهجرة، وبالأخص من العالم الثالث، كنتيجة حتمية للتزايد السكاني، والتفاوت التنموي، والأزمات الاقتصادية والسياسية... ناهيك من الحروب الأهلية.

أمام هذه الخلفية، تغيّر المشهد السياسي في معظم الديمقراطيات الغربية. وظهرت الشكوك في ما بدا لعقود عديدة «حالة تفاهمات عريضة راسخة». ومثلما ابتعد البريطانيون عن «الهوية الأوروبية» الواحدة، «نسي» الألمان والإيطاليون ما جرّته عليهم تجربتا النازية والفاشية، فاختاروا تكرارهما، وفجّرت طبقة العمالة غير الماهرة الفرنسية سخطها على المهاجرين، وبذا تحوّل ناشطون فرنسيون كثر من تأييد اليسار الشيوعي إلى تيارات التطرف القومي!

من ثم، الانتخابات المحلية الفرنسية الأخيرة، حتماً، لا تعكس مسبقاً نتائج الانتخابات العامة والرئاسية المقبلة. غير أنها تعطي فكرة لا بأس بها عن الفرص المفتوحة، وتفاوت الأولويات، وتوزّع القوى، والقضايا التي تصطف الأحزاب المتنافسة للدفاع عنها.

نتائج اليمين المتطرف كشفت، مثلاً، أنه ليس «قَدَر» الديمقراطية الفرنسية. فهو أخفق في تحقيق اختراقات، ولا سيما في المدن الكبرى، بينما أكد استمرار قوته في أرياف الجنوب وبعض مدنه حيث توجد كثافة للمهاجرين.

والاشتراكيون - بمختلف أطيافهم - احتفظوا بحضورهم بعدما بدا وكأنهم يتجهون نحو الضياع، كما حصل للشيوعيين.

واليمين التقليدي المعتدل أثبت أنه قادر محلياً، ومثله الوسطيون، على إنتاج قيادات جذابة تجيد مخاطبة بيئاتها.

ولكن، بعكس نجاح القوى البيئية البريطانية بقيادة «الخُضر» في تحقيق تقدم شعبي معقول، تراجع نصيب «خُضر» فرنسا هذه المرة. وفي هذا التراجع بلا شك درس لهم ولحلفائهم ولمنافسيهم على السواء!