يوسف مكي
* كاتب سعودي
TT

الحروب وموازين القوى الدولية

في الحرب هناك منتصرون ومهزومون، وعندما يتمكن أي فريق من كسب الحرب يكون أصدق توصيف لها أنها حرب لم تكتمل. ولا يتحقق السلام إلا باعتراف مختلف الغرماء بفشل الحرب في تحقيق غاياتها السياسية، والعودة مجددًا إلى طاولات المفاوضات. والتغيرات في موازين القوة الدولية لا تترجم إلى استحقاقات إلا بنصر عسكري مؤزر.
هكذا كان التاريخ الإنساني دائمًا، لا تتوج إمبراطوريات جديدة إلا على أنقاض نظم قديمة. والتسويات التاريخية هي تعبير عن عدم قدرة المتصارعين على الحسم.
في كتابه «النظام العالمي» الذي صدر عام 2014، يشير هنري كيسنجر إلى أن النظام الدولي الذي يسود الآن هو محصلة تسوية ويستفاليا التاريخية، عام 1648، بعد حروب امتدت طويلاً في أوروبا، لم يتمكن أي من الغرماء من حسمها لصالحه.
أكدت اتفاقية ويستفاليا حق الدول في السيادة، ضمن حدود معترف بها، لكن تتويج هذه الاتفاقية أمميًا، واعتبارها قاعدة أساسية بالقانون الدولي، لم يتحقق إلا مع تأسيس عصبة الأمم، حين أقر حق الأمم في السيادة وتقرير المصير. ولم يكن لهذه التسوية أن تأخذ مكانها، من غير هزيمة الإمبراطوريات القديمة: السلطنة العثمانية، وروسيا، وألمانيا، وخروج اليانكي الأميركي من عزلته خلف المحيط، ورغبة الاتحاد السوفياتي الوليد في أن يكون له دور في الساحة الدولية.
وكانت صياغة الخريطة السياسية الجديدة، لما عرف بالشرق الأوسط، والتسميات التي أدخلت على قاموسها السياسي، ومبادئ ويدرو ويلسون الأربعة عشر، مؤشرات على أن حقبة عالمية جديدة قد بدأت.
في نهاية الحرب العالمية الثانية دشنت الولايات المتحدة تربعها كقوة عظمى في صناعة القرار الدولي، بتصريح رئيسها هاري ترومان بأن هزيمة الأعداء كاملة وماحقة، وأن امتلاك بلاده للقوة النووية يجعل منها قوة عسكرية لا تضاهى. لكن الالتحاق السريع للسوفيات بالنادي النووي جعل منه شريكًا وندًا لأميركا في صناعة الحرب والسلام، فوق الكوكب الأرضي.
في لحظتين تاريخيتين؛ لحظة تأسيس عصبة الأمم، ولحظة تأسيس هيئة الأمم المتحدة، ألقت نتائج الحربين بظلالها بقوة على نصوص وثائقهما وهياكلهما.
منذ ذلك الحين سالت مياه كثيرة، انتهت الثنائية والأحادية القطبية، ويقف العالم الآن على عتبة عالم متعدد الأقطاب، بقيادة أميركية حسب تعبير صامويل هنتنغتون. وسيكون من المتعذر تقديم قراءة استشرافية لملامح المرحلة الجديدة، لكن من الصعب ألا توضع في سياق التحولات العلمية الهائلة، التي حدثت خلال العقود الأخيرة. فهناك انتقال جديد لمفهوم العولمة، من حالة اندماج أو تأثير للأطراف على المركز، إلى مستوى آخر، مختلف تمامًا عن كل ما شهدته البشرية، منذ بدأ الاجتماع الإنساني.
هناك ثورات في عالم البيولوجيا والاتصالات، وثورة رقمية، وأدوار مهولة وغير مسبوقة لمواقع التواصل الاجتماعي. فلم يعد مفهوم القوة مرتبطًا بحجم الكتلة وثقلها، بل بقياسات مختلفة تمامًا في الكم والنوع. وسيكون لذلك تأثيره المباشر على مفاتيح كثيرة، بما يستدعي إعادة النظر في المفاهيم المعهودة للقوة.
هل ستكون ولادة النظام الدولي الجديد عسيرة، أم أن ما يجري من حروب أهلية وخراب ودمار في منطقتنا، سيكون كافيًا لدفع ضريبة تتويج هذا النظام؟ سؤال ستجيب عنه الأيام أو الشهور، وربما السنوات القليلة المقبلة، لكنه في كل الأحوال رهن بالتغيرات في موازين القوى الدولية.
* كاتب سعودي