انفجرت إثر احتجاجات فرنسا وأعمال الشغب فيها توتراتٌ كانت تتراكم منذ وقت طويل. وقد تبيّن أن ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي يُشكل نقطة ضغط حاسمة، فهو رسالة من حَمَلة السندات الذين نفد صبرهم إزاء غياب إصلاح نظام التقاعد، وتضخم دولة الرفاه في البلاد. وحريّ بالأميركيين الانتباه إلى ذلك.
حين كانت أسعار الفائدة قريبة من الصفر، بدا الدَّين كأنَّه بلا تكلفة، وبدا توسيع دور الدولة - مع وعود بتوفير الأمان والحماية للجميع - أمراً ممكناً.
وقد أضافت فرنسا ما قيمته تريليون يورو (1.1 تريليون دولار) من الاقتراض منذ عام 2019. أما الوجه الآخر للأمان فهو تباطؤ النمو، سواء بسبب دور أكبر للدولة يزاحم القطاع الخاص، أو بفعل مزيد من اللوائح التنظيمية التي تبطئ الاقتصاد. ولم يكن لهذا أهمية كبيرة حين كان الاقتراض رخيصاً. أما اليوم، فإن ارتفاع الفائدة وشيخوخة السكان فيهددان منظومة الأمان برمتها في فرنسا وفي أجزاء أخرى من أوروبا.
وليست أميركا بمنأى عن هذه المجازفة الكبرى في أوروبا. فيبدو أن أسعار الفائدة طويلة الأجل تستقر في الولايات المتحدة عند مستوى 5 في المائة، كما في فرنسا. وثمة أسباب كثيرة لارتفاعها هنا، منها المنافسة من اقتراض شركات التكنولوجيا، وارتفاع التضخم، وتنامي عبء الديون. لكن نسبة 5 في المائة هي أيضاً المتوسط الذي استقرت عنده عوائد السندات طويلة الأجل تاريخياً بصفة عامة. وقد ترتفع الفائدة أكثر أو تنخفض، لكن من المعقول افتراض أن الولايات المتحدة تقترب من وضع طبيعي جديد، أو تعود إلى ما كان طبيعياً منذ البداية.
لا يُشكل ارتفاع أسعار الفائدة مشكلة بالضرورة؛ فقد ازدهر الاقتصاد الأميركي في ظل فائدة بلغت 5 في المائة وأعلى من ذلك في الماضي. لكن المرحلة الانتقالية قد تكون صعبة. فأميركا، مثل فرنسا، تحمّلت نموذجاً لدولة متضخمة لا يُستطاع تمويلها في ظل أسعار فائدة عالية؛ إذ يبلغ عجز الموازنة نحو 6 في المائة من حجم الاقتصاد، وقد تجاوزت تكلفة الفوائد السنوية بالفعل ميزانية الدفاع وستواصل الارتفاع. وليست هناك رغبة تُذكر في خفض المزايا الاجتماعية أو زيادة الضرائب لتغطية هذه التكاليف، باستثناء فرض الضرائب على الأميركيين الأثرياء، وحتى هؤلاء لا يستطيعون تمويل كل شيء بمفردهم.
ولم يتلقَّ أيٌّ من الحزبين الكبيرين في أميركا المذكرة المتعلقة بواقع الفائدة الجديد. فكلاهما يواصل الوعد بدور أكبر للدولة، ورعاية صحية شاملة وسخية، ومنح إعفاءات ضريبية للأسر ذات الأطفال، ومزيد من سيطرة الدولة على الاقتصاد. وكان طوق النجاة في أميركا هو تحقيق معدلات النمو الاقتصادي الأعلى. فالولايات المتحدة تعتمد على أن يُحقق الذكاء الاصطناعي ثورة في الإنتاجية تُعزز النمو وتُحسن مؤشرات العجز. لكن هناك أيضاً رغبة في تنظيم الذكاء الاصطناعي والحد من بناء مراكز البيانات. وقد يكون ذلك تصرفاً حكيماً، لكنه سيُؤدي حتماً إلى بطء النمو. إن دولة أكبر مع نمو متواضع وأسعار فائدة أعلى أمر غير قابل للاستمرار. فالحسابات ببساطة لا تستقيم. ونأمل ألا ينتهي الأمر في الولايات المتحدة إلى أعمال شغب ونهب.
والسبيل الوحيد للخروج في عالم الفائدة المرتفعة هو النمو.
