خالد البري
إعلامي وكاتب مصري. تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة، وعمل منتجاً إعلامياً ومراسلاً سياسياً وحربياً في «بي بي سي - عربي»، وغطى لحسابها «حرب تموز» في لبنان وإسرائيل، وعمل مديراً لمكتبها في العراق. وصلت روايته «رقصة شرقية» إلى القائمة النهائية لـ«بوكر العربية».
TT

مشكلة الميليشيات العقائدية

استمع إلى المقالة

التعامل مع الميليشيات تحدٍ سياسي وعسكري بالغ التعقيد، حيث يعتمد على مجموعة من السياسات المتشابكة، كل منها يحمل صعوباتِه ومخاطره. أولى هذه السياسات المواجهة الأمنية والعسكرية وتفكيك شبكة القيادة في مستوياتها المختلفة. الغرض هنا استغلال اعتماد الميليشيات عادة على كاريزما القيادة، وفقر الطابع المؤسسي. لكنَّ الموضوع ليس بتلك السهولة، من ناحية بسبب الإجراءات الأمنية المكثفة حول قياداتها، ومن ناحية بسبب حساب رد الفعل، أو الخشية من تشظي الميليشيات إلى عصابات صغيرة غير منضبطة، أو المفاجآت، مثل خروج صفٍ ثانٍ من القيادات أشدَّ شراسة من سابقه. الميليشيات الحديثة ليست راكدة، تطوّر هي الأخرى طابعاً مؤسسيّاً.

الركن الثاني في مواجهة الميليشيا الخنق المالي. وصعوباته تتمثل في تشعب مصادر التمويل وتعدد وسائل التمويه. الميليشيات لا تعتمد دائماً على مسارات رسمية يسهل حصرها وتتبعها، بل على أفراد وواجهات خيرية واجتماعية، ونشاطات خارجة عن القانون كغسل الأموال والتجارة في السلع الأساسية. وهذه السياسة أيضاً لا تخلو من محاذير، أهمها الخشية من تحول الميليشيا إلى عالم الاقتصاد السفلي بالتجارة في المخدرات، وتأجير الخدمات الإجرامية. وهو مسار متكرر في معظم الميليشيات التي نعرفها. الخنق المالي ينعكس أيضاً على البيئة الحاضنة، مما يمنح الميليشيا فرصة لتقديم نفسها مدافعة عن إفقار بيئتها.

الركن الثالث في السياسة تقوية الدولة المركزية. وهو كما نرى مهمة جذرية، إذ لو كانت الدولة المركزية قوية لما كانت الميليشيا من الأساس. ناهيك أنَّ المهمة تصطدم بركن أساسي آخر في عمل الميليشيا وهو وجود الحاضنة الاجتماعية. الميليشيا مهما كانت قوتها لن تصمد طويلاً أمام جيش نظامي يمتلك سلاحاً جوياً، ومدفعية ثقيلة، وتأييداً سياسياً، لولا هذه الحاضنة التي تمنح الميليشيا القدرة على التخفي وسط المدنيين، غالباً بترحاب، ولكن بالإرغام أيضاً. وما من مواجهة ناجعة مع ميليشيا، إلا وتعرضت لانتقادات قوية بسبب عدد الضحايا من المدنيين، والتي بدورها تغذي الدعاية ضد القوات النظامية.

تكتمل الأركان الأربعة بعقاب الراعي الأساسي، وهو في كثير من الأحيان دولة نظامية. ما ينقل المشكلة إلى بعد أكبر، قد يهدد استقراراً إقليمياً في منطقة، أو يهدد السلم العالمي بتشابك المصالح. ويحتاج تنفيذه إلى فارق قوة حاسم لصالح الدولة المتضررة. الولايات المتحدة كونها قوة عظمى فعلت ذلك مع تنظيم القاعدة ورعاته، بل ومدَّت العقاب إلى دول أخرى لا علاقة لها بالتنظيم، من باب التكشير عن الأنياب.

هنا لا بدَّ من التوقف عند نقطتين. أولاً: تعذر الإنجاز الكامل لسياسات المواجهة لا يعني التخلي عنها. وثانياً: الإعلام القوي بطانة مصاحبة لكل تلك السياسات.

يجب أن نتذكّر دائماً أنَّ هدف القضاء على ميليشيا بوصلة في طريق الوصول إلى نقطة حل سياسي، نقطة تفاوضية إن وصلنا إليها استقرت الأوضاع بشكل معقول.

وهنا تبرز الفروق بين أنواع الميليشيات وأغراضها. المشكلة الجوهرية في الميليشيات الدينية صعوبة وضع اليد على نقطة سياسية واقعية تطرح إمكانية لإنهاء الصّراع. الصّراع بالنسبة لها غرض في حد ذاته، جائزته لا تنتمي إلى هذا العالم، وإن فعلت فمسوغها الأكبر الإرهاب والاستعداد للموت، وليس الوزن السياسي الفعلي. بمعنى أن منحها مطلبها السياسي سيتحول إلى مشكلة أكبر، على كل من حولها، خصوصاً بيئتها الحاضنة.

الطرف الذي يواجه الميليشيا يراكم بعد حين خبرة ونمط حياة تجعله قادراً على تحجيم خطرها والتعايش معه، وفي بعض الأحيان تركيب مجموعة من المصالح السياسية المرتكزة على وجود ذلك الخطر. عند هذه النقطة تدفع البيئة الحاضنة الثمن، مؤجلاً ومقدماً.