أحمد عبد المعطي حجازي
TT

الشعر... ونقد الشعر

استمع إلى المقالة

لا تزال الأسئلة التي طُرِحت على حركة الشعر الجديد أو شعر التفعيلة تُطرَح حتى الآن، ولا تجد في معظم الأحيان من يلتفت لها أو يجيب عنها.

ونحن نعرف أن حركة التجديد الشعرية فرضت نفسها في أواسط القرن الماضي على أقل تقدير، وأثارت عواصف من التأييد ومن المعارضة، وطرحت أسئلة قدمت فيها إجابات مختلفة، ناقشها المؤيدون والمعارضون وأجابوا عنها إجابات شتى، لكن الحركة ظلت تشق طريقها، وتنتج أعمالاً وأجيالاً جديدة أضافت الكثير دون أن تواكبها بالقدر الكافي أعمال نقدية تضيف للأعمال النقدية التي سبقت، وتستخرج من الإبداع الجديد المختلف تفسيرات جديدة يحتاج إليها الشعر، وتحتاج إليها الأجيال الجديدة من قراء الشعر حتى تعرف عن النصوص الجديدة التي تقرأها ما يثير تطلعها، ويساعدها على التأمل والتذوق، ويعدها بقراءة ممتعة.

متى ظهرت حركة التجديد في الشعر؟ وأين ظهرت؟ وعلى يد مَن مِن الشعراء؟ وما الذي أضافته للشعر العربي؟ هذه الأسئلة تجعلنا نتساءل في مقابلها عن الأسباب التي تحُول بين النقاد ومؤرخي الأدب وبين التصدي للإجابة عن أسئلة مطروحة على حركة أدبية نشيطة تبنتها الأجيال الجديدة من الشعراء في مختلف الأقطار العربية، وكان لها دورها في نشاطنا الثقافي في الأدب والمسرح، وكان لها حضورها في نشاطنا العام.

ما هي الأسباب التي حالت دون التصدي للتعريف الواجب بحركة تمردت على التقاليد الشعرية الموروثة التي ظلت ثابتة لا تتطور أكثر من ألف وخمسمائة عام، وتحررت منها، وإن ظلت وفية للأصول التي نبعت منها هذه التقاليد، وأنشأت لنفسها تقاليد جديدة وقف الشعراء والنقاد المحافظون في وجهها، ودارت بينهم وبين المجددين معارك مشهودة انتهت بانتصار الحركة الجديدة؛ لأنها وجدت من يتحمسون لها ويدافعون عنها، ليس فقط من الشباب أصحاب الموهبة الذين وجدوا فيها تعبيراً عن أنفسهم وعن المناخ العام الذي نشأوا فيه، وعن التطورات والتحولات التي عاشتها بلادنا في القرنين الماضيين ورفعت فيهما راية التجديد في كل شيء، وجعلته استجابة طبيعية لما تطورت إليه أوضاعنا السياسية والاجتماعية والثقافية، بل أيضاً من عامة القراء الشباب والمثقفين. وبهذه الروح انطلقت حركة التجديد التي شهدها هذا الفن العريق، فن الشعر الذي بدأت به ثقافتنا وكل الثقافات.

ثقافتنا العربية بدأت بالمعلقات التي احتاجت إلى شرح وتعليقات في اللغة، والتاريخ، والعروض، والمعاني، وأنساب الشعراء تحولت هذه المعلقات ثقافةً أدبيةً ولغوية جامعة كانت أساساً للثقافة العربية التي بدأت مسيرتها الحافلة في القرن السادس الميلادي.

والدور الذي أداه فن الشعر في الثقافة العربية أداه في الثقافة الغربية القديمة والحديثة. الثقافة اليونانية بدأت بملاحم هوميروس، والثقافة اللاتينية بإنيادة فرجيل، والإيطالية بكوميديا دانتي، والفرنسية بأغنية رولان، والإنجليزية بقصائد تشوسر.

***

فإذا كنت قد بدأت بحركة التجديد، وهي موضوع هذه المقالة، وانتقلت منها إلى دور الشعر في خلق اللغة وبناء الثقافة؛ فذلك لأني أرى أن حركة التجديد الشعرية أسهمت في إحياء الفصحى من ناحية، وكانت إضافة اغتنى بها تراثنا الشعري وثقافتنا العربية، كما كانت الفنون القصصية والمسرحية إضافة اغتنى بها النثر العربي والثقافة العربية كلها. ومن هنا حاجتنا إلى دراسات تؤرخ للشعر الجديد، وتعرّف الأجيال الجديدة برواده الذين بشّروا به وسبقوا إليه، ومنهم المشاهير الذين ظهروا في العراق، ومصر، وسوريا ولبنان، وتلاهم من ظهروا في غيرها من الأقطار العربية التي لم يبق منها قُطر إلا وأسهم شعراؤه في حركة التجديد التي احتلت مكاناً متقدماً في شعر هذا العصر؛ لأنها كانت إضافة حقيقية للشعر العربي.

هذه الحركة لم تكن مجرد خروج على الطرق الموروثة في الوزن والتقفية، ولكنها كانت إبداعاً أصيلاً تجلى في اللغة الشعرية بعناصرها المختلفة، وتجلى في العالم الذي قدمته بصورها وموسيقاها وتأملاتها الفكرية، وارتباطها بقضايا الواقع وهمومه التي تدور حولها ثقافتنا الحديثة. وهذا هو الفرق بين ما قدمه شعراء هذه الحركة وما كان يقدمه معظم الشعراء التقليديين.

هؤلاء لم يكونوا تقليديين بالمعنى المذهبي، أي بالتزامهم بالتقاليد الشعرية الموروثة فحسب، بل كانوا تقليديين بالمعنى السلبي، أي بكونهم مقلدين لمن سبقوهم. لم يضيفوا لهم شيئاً.

غير أن التقاليد الشعرية الموروثة ظلت حية بعد ظهور حركة التجديد وانتصارها؛ لأن هذه الحركة الجديدة لم تكن بديلاً عن شعر التراث، وإنما كانت إضافة احتلت مكانها المتقدم في ساحة الشعر، وظل أنصار التقاليـــد يدافعون عن التقاليد ويقدمون فيها شعراً جديراً بالإعجاب، كما ظهرت قصيدة النثر التي وجدت في الأجيال الجديدة من يناصرها، لكنها لم تحصل على اعتراف كامل.

هكذا تعددت التجارب، وتعددت المدارس الفنية والفكرية؛ فالشاعر الذي بدأ طريقه بالقصيدة العمودية غير الذي عرف بالشعر الجديد، والذي قرأ لبعض الشعراء الأجانب وتأثر بهم يختلف عن سواه. ومن هنا تعددت الظواهر والتيارات، وأصبحت الحركة الشعرية العربية بكل أشكالها واتجاهاتها، وخاصة حركة التجديد في هذا العصر الحديث في حاجة إلى الدراسة والمراجعة والتعريف والتقييم.

وهناك من يتسرع فيطلق الأحكام وينسب حركة التجديد لمصادر دون غيرها، فإن كان هذا جائزاً في ثقافة بلد واحد أو عصر محدد فهو لا يجوز في الثقافة العربية بأرجائها المترامية، وعصورها المتوالية. والذين يتعصبون لبلد أو لشاعر يسيئون لما يتعصبون له، ويسيئون لهذا الفن الذي يرحب بالتعدد وينتفع به، ويتمكن من الوصول عن طريقه لإضافات وإبداعات لا يضيق بها الفن، بل يغتني ويزدهر.

وهذا ما ننتظر من نقادنا أن يتناولوه ويوضحوه للأجيال الجديدة التي يحتاج إليها الشعر؛ فالشعر هو عماد البيت في الثقافة العربية. والثقافة العربية هي عماد البيت في الوجود العربي.

وفي المقالة القادمة نواصل هذا الحديث.