كان ينظر إلى الدنيا بعيون الأطفال ولا يطلب غير القمر. وكان يردد: «أتوق إلى النوم فينة، وساعة، وقرناً، لكن أريد أن يعلم الجميع أني لم أمت»، إلى أن طلع الفجر ذات يوم صيفي حارق على الكروم المحيطة بقريته، واقتاده أربعة من الفاشيين وأجهزوا عليه بالرصاص تحت زيتونة، ثم طمروا جثّته في مكان ما زال مجهولاً إلى اليوم.
تسعون عاماً مضت على تلك الجريمة، وكلما مال الفؤاد ناحية الشعر المصفّى، حضر اسم فيديريكو غارسيّا لوركا الذي ما عاد فحسب صنواً لأرقّ الشعر الإسباني وأعذبه، بل أيضاً أيقونة عالمية للحرية والإبداع الملتزم، هو الذي كان يقف دوماً إلى جانب الذين لا يملكون شيئاً ويُحرمون حتى من نعمة الهناء بهذا اللاشيء.
«الشعر مسلك حياة» كان يقول، وتحت هذا العنوان اجتمع المئات من الفنانين والمؤلفين المسرحيين والأدباء والشعراء والمطربين والراقصين والصحافيين والرسامين والموسيقيين فيما يشبه القداس الجنائزي على أنغام موسيقى موزارت، وعلى مرمى حجر من قصر الحمراء المزنّر بخيط رفيع من دم الذي قال عنه نيرودا عندما بلغه مقتله: «انطفأت شعلة الشعر الإسباني».
طيلة الأيام الأربعة التي دامها التكريم، الذي تزامن مع احتفالات مماثلة في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، تُليت أشعار فيديريكو وسط «حديقة الشهداء»، في حين كانت تُقرع أجراس كنائس غرناطة وتصدح حناجر المؤذنين وتتشّح السماء بالألوان فوق جنائن الحمراء الساحرة التي كان لوركا يعشقها.
وكان المنظمون طلبوا كلمة عن «رمزية لوركا في الشعر العربي الحديث»، وكان حرجٌ؛ إذ أتيحت لي معرفةٌ من كثب للعديد من كبار هذا الشعر، وأيقنت أن صاحب «رومانسية الغجر» لا يعدو عندهم كونه رمزاً تسهل الاستعانة به للبكاء على الطلل الغابر والتحسّر على الحرية المفقودة ومحاولة التشبّه بما هم دونه.
لم يكن لوركا يرى أن المطلوب هو أن نفهم الشعر ونفكّك طلاسمه، بل يكفي أن نستقبله بحرارة ونفتح له قلوبنا. وأن لا جدوى من تحليله «فالشعر واضح لأنه غامض، وغامض لأنه واضح». وكان يدعو إلى البحث عن الشعر بقوة وشغف كي يستسلم لنا، أي أن ننساه كلياً ليتهالك عارياً بين أذرعنا.
في الجلسات الطويلة مع أصدقائه الشعراء والفنانين، كان فيديريكو مدهشاً في اختياره أغرب العبارات وأجملها، كما في مسرحياته الرائعة مثل «عرس الدم» و«منزل برناردا آلبا». ورغم ما كان معروفاً عنه من مخيلة جامحة، كان يقول إن الواقع المرئي والملموس في الشعر يتجاوز الخيال ويتكشّف عن شاعرية لا تدانيها المخيلة مهما كانت خصبة.
في عام 1926، قبل عشر سنوات على مقتله، ألقى لوركا محاضرة بعنوان «غرناطة، جنّة عصيّة على كثيرين»، قال فيها إنها مدينة وُجدت للموسيقى والألم، وإن الحمراء هي حديقة الشعر والحواس. واليوم عادت غرناطة لتقول إن شهيدها ما زال حيّاً، وتطالب بمنحه جائزة نوبل بعد الوفاة.
