بين حديث الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عن الحق الفلسطيني في بلفاست (13 أكتوبر «تشرين الأول» 2026)، ومراجعة فيلسوف الحرب العادلة الأميركي اليهودي مايكل والزر لموقفه من حرب غزة، التي تناولتها «النيويوركر» (22 أكتوبر 2026)، تكمن المأساة: عقل يرغب في معرفة الحق، لكنه يتأخر في الالتزام به، ويرى المأساة، لكنه يمنح نفسه مهلة لفهمها، يدفع الفلسطينيون ثمنَها من حياتهم. امتلك أوباما سلطة القرار، وامتلك والزر سلطة التبرير الأخلاقي؛ وبين السلطتين ظل الفلسطيني ينتظر تحول معرفة مظلمته إلى موقف يدين الإبادة. والمفارقة أن رجل الشارع أدرك بحسه ما تأخر الرئيس والفيلسوف في إدراكه.
في هذه الرؤية الأميركية التي يمثلها الرجلان بدت غزة تمريناً أخلاقياً؛ يعيش أهلها ويموتون كي يمنحوا الفلسفة مثالاً أكثر إقناعاً، أو يمنحوا رئيساً سابقاً فرصة لاستعادة وضوحه الأخلاقي. لذلك تطرح مراجعة والزر سؤالاً يتجاوز نظريته: متى يصبح الفيلسوف فيلسوف القبيلة، يزن آلام الآخرين بمعيار، ويمنح جماعته مهلة إضافية قبل إخضاعها للمعيار نفسه؟ ومتى تتحول الأرض المنكوبة إلى حقل تجارب ينتظر فيه المفكر اكتمال الكارثة حتى يعدل أدوات فهمها؟
مقال «النيويوركر»، بعنوان «فيلسوف الحرب يغيّر رأيه»، بقلم جوردي غراوبيرا، يتتبع مراجعة والزر للفصل بين عدالة الذهاب إلى الحرب وعدالة وسائل خوضها. أدان الحصار مبكراً، لكنه أيد الحرب ورفض وقفها. ومع اتساع الدمار، بدأ يرى أن فظاعة القتال قد تسقط عدالة الحرب نفسها، وأقر بتأخره في إدراك سياسة جعل أجزاء من غزة غير قابلة للحياة.
هذه المراجعة محمودة، لكنها تستدعي المساءلة: لماذا احتاج الفيلسوف إلى هذا القدر من الدمار حتى يمنح الوقائع سلطة على النظرية؟ وكم كان يلزمه من الضحايا ليكتمل اقتناعه؟ فالمهلة لم تكن زمناً فكرياً خالصاً؛ كانت من أعمار الأطفال وآبائهم الذين هدمت البيوت على رؤوسهم، ومن فرص الحياة التي محيت أمام الناجين.
تلك مأساة المثقف الذي تتعثر كونية مبادئه عند حدود انتمائه: في كل مكان إلا هنا. ينتقد الجميع إلا قبيلته. وفي حالة والزر، يصعب عليه إخضاع إسرائيل للصرامة الأخلاقية التي يخضع لها الآخرين. وهناك مثقفون يهود واجهوا الامتحان بشجاعة، فلا يصح اختزالهم في موقف واحد. لكن السؤال يظل قائماً عن نفوذ الأصوات التي منحت إسرائيل استثناءً أخلاقياً، وعن ثمن تأخرها في المراجعة.
أما أوباما، فتحدث عن انتزاع الأرض من الفلسطينيين وطردهم منها، وعن فقدان إسرائيل موقعها الأخلاقي حين تجعل تفوقها العسكري مبرراً لأخذ ما تريد؛ وكأن ذلك التفوق الأخلاقي كان مسلماً به أصلاً. ورد بنيامين نتنياهو بأن الأرض اسمها «يهودا»، ومنها جاء اليهود. كان السؤال عن حقوق أناس اقتلعوا من أرضهم، فجاء الجواب عن اسم الأرض قبل آلاف السنين.
عندما كنت شاباً كتبت دراسة للماجستير بعنوان «فلسطين: تاريخ اسم». لكن الجدل حول أسبقية الأسماء لا يحسم حقوق البشر. يستطيع التاريخ أن يشرح صلة شعب بمكان، لكنه لا يمنحه تفويضاً لاقتلاع شعب آخر منه. ولو أصبحت أسماء الممالك القديمة سندات ملكية، لما استقر بيت لصاحبه. القوة تفسر القدرة على انتزاع الأرض، لكنها لا تمنح الانتزاع شرعيته.
حديث أوباما مهم؛ فالعودة إلى الحق متأخراً أفضل من عدم العودة. وللدقة، لم يكتشف المظلمة الفلسطينية بعد تقاعده؛ بل انتقد الاستيطان وتحدث عن معاناة الفلسطينيين وهو رئيس. لكن الاستيطان استمر، وبقيت الفجوة واسعة بين الموقف وأثره السياسي. ما الذي يتغير بعد مغادرة البيت الأبيض: وضوح الحقيقة أم تكلفة الاعتراف بها؟ ولماذا يتحرر الكلام عندما يفقد صاحبه أدوات تنفيذه؟
هنا يلتقي الرئيس والفيلسوف: في المسافة بين المعرفة وما يترتب عليها. لدى الأول معرفة لا تجد طريقها الكافي إلى القرار، ولدى الثاني وقائع تتراكم قبل أن تغير الحكم على الحرب. وفي الحالتين يدفع الفلسطيني ثمن الانتظار. وما يبدو من بعيد تدرجاً في التفكير، يعيشه من تحت القصف تأخراً في النجاة.
ولا أزعم أن العقل الأميركي واحد. المقصود تيار نافذ في الحكم والجامعات والإعلام، يمنح الخوف الإسرائيلي تصديقاً أولياً، ويطالب الخوف الفلسطيني بمزيد من الأدلة. تصبح الواقعة حقيقة محترمة حين ينطق بها رئيس سابق أو فيلسوف معروف، أما صاحب الأرض فيظل محتاجاً إلى من يصادق على شهادته. هكذا يصبح تحول صاحب النفوذ حدثاً، وتبقى بصيرة الضحية خارج الاعتراف.
تختلف مسؤولية صاحب القرار عن مسؤولية صاحب النظرية، لكن كليهما يمنح شرعية تترتب عليها نتائج. القرار يتيح استمرار الحرب، والكلام قد يوفر غطاءها الأخلاقي. وإذا احتفينا بالمراجعة دون مساءلة أسباب التأخر، تركنا للضحايا القادمين انتظاراً مماثلاً. لذلك لا تكتمل العودة إلى الحق إلا بتغيير شروط النظر والفعل، وبسؤال عملي: ماذا يمكن إصلاحه الآن؟
ولا تكفي شجاعة الاعتراف إذا بقيت المؤسسات التي سوَّغت الحربَ بمنأى عن النقد، وظلَّت أصوات الضحايا مستبعدة من تعريف العدالة وتحديد وقت العمل بها.
الفلسطيني يحتاج إلى سياسة تتوَّقف عن إنتاج مظلمته، وفكرٍ يراها قبل أن يصبح الاعتراف بها آمناً. وغزة تحتاج إلى حماية من بقي حياً، وإنهاء انتظارها أمام أبواب الضمير الأميركي. فهل تغير المراجعات حياة الفلسطيني، أم تكتفي بتحسين إرث الرئيس ونظرية الفيلسوف؟
