د. إبراهيم العثيمين
كاتب سعودي
TT

أمن الممرات... مصالح عالمية ومسؤولية مشتركة

استمع إلى المقالة

لطالما حذَّرت السعودية، منذ انقلاب الحوثيين على الشرعية وبدء تهديدهم للملاحة البحرية من أنَّ تداعياتِ هذا الخطر ستتجاوز حدود المنطقة، ودعت إلى تحمّل المسؤولية الدولية عن مواجهته. لكنَّ تلك التحذيرات لم يأخذها المجتمع الدولي على محمل الجد. واليوم تتضح الصورة كاملة ويلمس العالم ما يعنيه اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، فتعطيل الملاحة فيهما أربك الإنتاج ورفع تكاليف الشحن وأسعار السلع، وبدأ المستهلكون حول العالم يتحمَّلون تبعات هذه الاضطرابات وهذا التوتر في مناطق بعيدة عن بلدانهم. وهذا ليس مستغرباً عند النظر إلى حجم تدفقات الطاقة والتجارة التي تمر من خلال هذين المضيقين اللذين يمر عبرهما قرابة 30 في المائة من تجارة الطاقة في العالم.

ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط عبور النفط ومشتقاته نحو 21.8 مليون برميل يومياً عبر هرمز، و9.3 مليون برميل عبر باب المندب. وتتضح تداعيات هذا التوتر والاضطرابات في الإمدادات من الشرق الأوسط وروسيا في تقرير وكالة الطاقة الدولية الذي صدر مؤخراً، وأشار إلى انخفاض صادرات الديزل العالمية في سبتمبر (أيلول) بنحو 700 ألف برميل يومياً مقارنة بالعام السابق. في آسيا أوضح التقرير أن تعطل تدفقات النفط عبر هرمز أدَّى إلى تراجع تشغيل المصافي، خصوصاً في الصين والهند وكوريا الجنوبية. وتجاوزت أسعار الديزل بالجملة 200 دولار للبرميل في سنغافورة، وبلغت نحو 220 دولاراً في أوروبا والولايات المتحدة. لن أسترسل في أمر بات العالم يدركه؛ فتداعيات اضطراب الطاقة والملاحة تنتشر كالنار في الهشيم، وتصل إلى المصانع والأسواق، ثم إلى ميزانيات الأسر حول العالم. هذا الحجم وهذا التشابك في المصالح يجعلان حماية المضيقين مسؤولية تتجاوز الدول المشاطئة إلى جميع الدول المستفيدة. وهنا يأتي السؤال: كيف تتحول هذه المصلحة المشتركة إلى مسؤولية فعلية تتقاسم الدول أعباءها؟ وفي اعتقادي يمكن تحقيق ذلك عبر خمسة مسارات رئيسية:

ويبدأ ذلك بدعم التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي تقوده السعودية، بوصفه الإطار العملي لتقاسم مسؤولية حماية حرية الملاحة وضمان استمرارية التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية. ويتطلب هذا الدعم مشاركة أوسع من الدول المستفيدة من أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وتوفير القدرات البحرية والمعلوماتية واللوجستية والتمويل اللازم، كلٌّ حسب إمكاناته، لتتحول المسؤولية المشتركة إلى حماية فعلية للسفن وطرق التجارة وإمدادات الطاقة. كذلك، يمكن لدول مثل الصين وروسيا وتركيا توظيف علاقاتها مع إيران للضغط عليها لتأمين الملاحة في هرمز، وحثّها على استخدام نفوذها لدى الحوثيين لوقف استهداف السفن في باب المندب والبحر الأحمر. فهذا النفوذ السياسي والدبلوماسي أداة مهمة لحماية المصالح المشتركة، كما فعلت الصين حين حذّرت طهران، وفق ما نقلته «رويترز»، من أن استمرار هجمات الحوثيين قد يضرّ بعلاقاتهما التجارية.

ومن المسارات المهمة كذلك، العمل على مواجهة مصادر التمويل والإمداد التي تغذي التهديدات، ويشمل ذلك تعقب الشركات الوسيطة التي تستخدم لشراء مكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتحقق من المستخدم النهائي للمعدات ذات الاستخدام المزدوج، ورصد التحويلات المالية المرتبطة بتمويل الاعتداءات. كما يستوجب ذلك التعاون بين الدول التي تنطلق منها الشحنات أو تمر عبر موانئها لتبادل المعلومات ومنع وصول الإمدادات إلى الجهات المتورطة، وفق الأطر القانونية. فحماية السفن تظل صعبة ما دامت هذه الجهات قادرة على الحصول على ما يمكنها من مواصلة اعتداءاتها. ولهذا، فإنَّ تبادل المعلومات وتشديد الرقابة على هذه الأنشطة جزء من المسؤولية المشتركة عن أمن الملاحة. من هذا المنطلق لا يمكن أن تتحمل دولة واحدة تكلفة ضمان استمرار الإمدادات التي يستفيد منها العالم. فالدول التي تعتمد على طاقة المنطقة وتجارتها معنية بالمساهمة في حماية الموانئ، وإصلاح المنشآت المتضررة، والمساعدة على استمرار الشحن بما يساعد على استمرار حركة التجارة. عندما هددت القرصنة قبالة الصومال طرق التجارة شاركت دول من خارج المنطقة في حماية السفن، وعندما اضطربت أسواق الطاقة عقب الحرب في أوكرانيا، ساهمت دول مستهلكة في تخفيف الأزمة بالسحب من مخزوناتها النفطية. فكما تتشارك الدول منافع التجارة واستقرار الإمدادات، عليها أن تتشارك أعباء حمايتهما؛ إذ لا يستقيم أن تكون الفوائد للجميع، ثم تصبح فاتورة الحماية «شأناً إقليمياً».

وستظل هذه المسارات كلها في حدود الرغبة والتمنيات والنيات الحسنة ما لم تترجم إلى أفعال واضحة ومستمرة، تحدد بموجبها كل دولة ما ستقدمه من تمويل أو قدرات أو دعم فني. فحماية الممرات البحرية تحتاج إلى تعاون مستمر حتى بعد تحييد التصعيد وهدوء الأوضاع، لمنع تكرار الأزمة، وتفادي العودة إلى الخسائر نفسها كلما تجددت التوترات في المنطقة. وأعتقد أن نظام المخزونات الطارئة لوكالة الطاقة الدولية مثال جيد لقدرة الدول على الالتزام بالاحتفاظ بمخزونات محددة ومراجعة الجاهزية ثم المشاركة في الاستجابة عند اضطراب الإمدادات.

هذا يمكن أن يحدث من خلال لجنة مشتركة تتابع تنفيذ مساهمات الدول وتعالج أسباب التأخير، بالتنسيق مع المنظمات الدولية ذات الاختصاص.

وأخيراً أرى أنَّ ما تدعو إليه السعودية يستند إلى حقيقة لا يمكن تجاهلها من أنَّ استقرار هذه المنطقة وحماية ممراتها المائية ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي. وبالتالي، مساهمة الدول المستفيدة في حماية مضيقَي هرمز وباب المندب هي حماية لاقتصاداتها ومعيشة شعوبها. لقد حان الوقت لتقاسم المسؤولية في ظل هذه الأزمات.