بهذه المقالة أختم حديثي عن ابن خلدون، الذي نبدأ حديثنا عنه ولا ندرك متى نختمه. لأن ابن خلدون عالم رحب حافل يكشف لك في كل خطوة تخطوها عن فكرة تشغلك أو عن سؤال تبحث له عن إجابة فلا تتوقف فيه وتكتفي.
وقد اجتهدت في هذا الحديث أن أذكّر القارئ العزيز والمؤسسات الثقافية العربية بأن الذكرى المئوية السابعة لميلاد ابن خلدون على الأبواب لأنها تحل بعد ست سنوات، فعلينا أن نتهيأ للاحتفال بها من الآن ونستعد؛ لأن الاحتفال بميلاد ابن خلدون لا يكون بتنظيم ندوة أو كتابة مقالة، وإنما يكون احتفالاً قومياً نشارك فيه جميعاً، لأن ابن خلدون لا ينتمي إلى قطر واحد من أقطارنا، وإنما ينتمي إلى الجميع. ولهذا نحتاج في الاحتفال به إلى استعداد خاص، وتنظيم، وتنسيق يؤدي به كل طرف دوره لتتكامل الصورة التي نريد أن نصل إليها من إحياء الذكرى، صورة ابن خلدون المفكر العربي العبقري بجوانبها المعروفة وجوانبها التي يجب أن نعرفها.
ونحن نعرف كتابه الذي أصبح مشهوراً متداولاً بعد أن طُبع في أواسط القرن التاسع عشر في مصر، وهو كتاب «العبر»، ويقع في سبعة أجزاء. كما نعرف سيرته الذاتية التي ألحقها بهذا الكتاب، ثم أضاف إليها ما جدّ في السنوات الأخيرة من حياته وفصلها من كتاب «العبر»، فأصبحت كتاباً مستقلاً سماه «التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً»، وقد طُبع هذا الكتاب الذي لم يكتب مثله أحد في العصور الماضية، مع مقدمة وتعليقات وهوامش بلغت بها صفحاته نحو خمسمائة صفحة.
هذا نعرفه، أما الذي لا نعرفه من أعماله فهو ما يحدثنا عنه صديقه الشاعر الأندلسي المبدع لسان الدين بن الخطيب في كتابه «الإحاطة في أخبار غرناطة»، فيقول إنه، ابن خلدون «شرح البردة شرحاً بديعاً ولخص كثيراً من كتب ابن رشد، وعلق للسلطان أيام نظره في العقليات تقييداً مفيداً في المنطق، ولخص محصل الإمام فخر الدين الرازي، وألّف كتاباً في الحساب، وشرع في شرح الرجز الصادر عني - أي من ابن الخطيب - بشيء لا غاية فوقه في الكمال».
ولسان الدين بن الخطيب واحد من نوابغ الشعراء الأندلسيين، وهو صاحب الموشح الشهير الذي يقول مطلعه:
«جادك الغيث إذا الغيث همى
يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلماً
في الكرى أو خلسة المختلس»
والقائمة التي يقدمها لنا ابن الخطيب عن مؤلفات صديقه لا تعرّفنا بما كتبه ابن خلدون فحسب، بل تعرّفنا أيضاً بما قرأه ودرسه ليتمكن من أن يؤلف فيه، تعرّفنا بثقافته الواسعة الغنية التي لم يتحدث عنها المؤرخون العرب وحدهم، بل تحدث عنها المستشرقون الأوروبيون أيضاً، ووقفوا أمامها مبهورين لما وجدوه في مؤلفاته من أعمال سبقت عصره بقرون، وبلغت ما لم يبلغوه هم إلا في القرنين الأخيرين. وهذا ما أشرت إليه من قبل، وما حدثنا عنه محمد عبد الله عنان في كتابه عن ابن خلدون ويقدم فيه فقرات مما قاله هؤلاء المستشرقون في تقييمهم لإنجازات المفكر العربي.
المستشرق الهولندي دي بوير يرى أن ابن خلدون حاول أن يؤسس نظاماً فلسفياً جديداً لم يجُل بذهن أرسطو، هذا النظام يتمثل في التاريخ الإنساني الذي نسجت خيوطه الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من نشاط عملي وفكري، ومهمة التاريخ المكتوب هي أن يبين كيف يعمل الناس، وكيف يحصّلون أقواتهم، ولماذا يقاتل بعضهم بعضاً، وكيف تتقدم الحضارة من البداية الخشنة إلى الترف الناعم وتزدهر، ثم تضمحل وتموت!
أما لودفيج جمبلوفتش، فيقول إن ابن خلدون يرتفع إلى ذروة البحث الاجتماعي حينما يعرض ملاحظاته عن تفاعل الجماعات البشرية داخل المجتمع، وكيف أن هذه الجماعات هي ثمرة الوسط، وفي أقوال ابن خلدون ما يدل على أنه عرف «قانون التشبه بالوسط»، قبل أن يعرفه داروين بخمسة قرون.
والكاتب الألماني فون فسندنك يدرس نظريات ابن خلدون في نشوء الدول وانحلالها، ويرى فيه ذهناً وافر الابتكار ومثلاً أعلى في التفكير العربي.
ويقول ناتانيل شميث، الأستاذ بجامعة كورنل الأميركية، إن ابن خلدون هو الذي اكتشف ميدان التاريخ الحقيقي وطبيعته، وهو مؤسس علم الاجتماع.
وهنا أكتفي بما قدمته في السطور السابقة وأردت أن أشير ولو من بعيد إلى هذا التراث العظيم الذي يجب أن نكتشفه نحن من جديد، وأن نعطيه حقه فنتعامل معه لا بوصفه تراثاً قديماً نحفظه في الخزائن، بل بوصفه ثقافة حية تنتمي كما رأينا إلى هذا العصر الذي نعيش فيه، فنحن إذن في حاجة إلى أن ننظر في هذه الثقافة من جديد، وأن نقرأها وقد أصبحنا مستعدين للقراءة الجديدة بما حصلناه من ثقافة عصرنا، ونحن واثقون من أنها ستكشف لنا ما لم تكشفه من قبل، فهي ليست كما يظن البعض مجرد أخبار أو تواريخ طوتها الأيام، وإنما هي حياة متواصلة قادرة على أن تفتح كنوزها لمن يقرأها، ولمن يعيد قراءتها وقد أعد للقراءة الجديدة عدتها ليطرح مع ابن خلدون الأسئلة، ويبحث معه عن الإجابات.
وابن خلدون في تاريخه يبدأ بالطبع من الخبر، لكنه يقف أمام الخبر أو الحادثة يسأل عن أصولها وفصولها ليفهمها على حقيقتها، وهو إذ يقوم بهذا التحقيق ينتقل من مجال إلى مجال، من السياسة إلى الاجتماع، ومن الاجتماع إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الفلسفة. من القبيلة إلى الأمة، ومن الأمة إلى الإنسانية. من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي إلى المستقبل. من القص إلى الرأي، ومن الرأي إلى القانون. لهذا يظل ابن خلدون حاضراً لأن القوانين التي استخلصها من المؤلفات التي قرأها، ومن التجارب التي عاشها لا تزال فاعلة مؤثرة في حياتنا الراهنة.
ما نشهده الآن في بلادنا، في المشرق والمغرب، وفي الشمال والجنوب يذكرنا بعضه بما كان يحدث في الأندلس والمغرب. ومن هنا أصبحت حاجتنا ملحة إلى إحياء ذكرى ابن خلدون وقراءة أعماله من جديد، ليس فقط لأنها ثقافة قومية رفيعة نعتز به، ولكن أيضاً لأن هذه الأعمال أصبحت دروساً حاضرة يجب علينا أن نلتمس فيها الحكمة ونعرف الصواب.
