جاء في مذكرات مكتشف «العالم الجديد» كريستوف كولومبوس، المحفوظة لدى «أرشيف بلاد الهند» في مدينة إشبيلية، أن شغفه بالسفر تولّد من قراءته كتاب الرحّالة الإيطالي الشهير ماركو بولو عن رحلاته إلى الأصقاع الآسيوية، ولقاءاته بملوكها، وحكامها، وما اكتسبه خلالها من معارف، وجمعه من معلومات، وحفظه من تقاليد عاد بها إلى مسقط رأسه في إيطاليا أواخر القرن الثالث عشر.
يقول كولومبوس إن تلك المطالعة بيّنت له أهمية الاعتماد على ترجمان للتواصل مع سكان البلاد الجديدة التي ينزل فيها لأول مرة، ويجهل كل شيء عن لغاتها، وتقاليدها. وعندما عرض عليه التاج الإسباني أن يقود بعثة بحرية لاستكشاف بلاد الهند، قرر أن يصطحب معه ترجماناً يتقن اللغة العربية، إلى جانب كوكبة من المتبحرين في علوم الفلك، والطب، والزراعة، والرياضيات، وكان ذلك في رحلته الأولى التي انطلقت أواخر العام 1492م، أي بعد عشرة أشهر على سقوط غرناطة، درّة الأندلس التي كانت آخر معاقل بني الأحمر.
لم يكن صدفة اختيار كولومبوس لمترجم يتقن لغة الضاد، إلى جانب غيرها من اللغات التي كانت معروفة في بلاد الأندلس، وخارجها، إذ كان العرب في تلك الحقبة هم أصحاب الحضارة الأكثر تطوراً، وكان انتشارهم واسعاً في بلاد العمران، والتجارة. وكان كولومبوس يتطلع إلى لقاء «إمبراطور آسيا» الذي ذكره ماركو بولو في مؤلفه، والتجار العرب الناشطين في تلك البلاد.
كان الترجمان الذي اصطحبه كولومبوس على متن السفينة «سانتا ماريّا» يدعى لويس دي تورّيس، وكان يهودياً اعتنق المسيحية بعيد صدور القرار الملكي طرد اليهود من إسبانيا في أبريل (نيسان) 1492م. وعندما وصلت البعثة إلى شواطئ كوبا، التي كان كولومبوس يعتقد أنها سواحل الهند، أوفد دي تورّيس مع رتل من البحارة لاستكشاف الجزيرة، والتعرف على أهلها. لكن عندما وصلوا إلى المناطق المأهولة التي كان يقطنها السكان الأصليون -الذين أطلق الإسبان عليهم منذ ذلك الحين تسمية الهنود- وجد الترجمان نفسه عاجزاً عن التفاهم معهم، لكنهم أكرموه ورفاقه، واستضافوهم لفترة طويلة قيل إنها انتهت بقتال قضت فيه البعثة، ومعها دي تورّيس. وعندما عاد كولومبوس إلى الجزيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام التالي يتفقد بعثته، لم يجد سوى الدمار، والجثث المتحللة.
لم يذكر كولومبوس ترجمانه سوى مرة واحدة في يومياته، علماً بأن قادة البعثات التي تعاقبت بعد ذلك على أميركا اللاتينية -وأخضعتها للتاج الإسباني- قد استفاضوا في ذكر المترجمين، ومعظمهم من السكان المحليين الذين لعبوا دوراً مهماً في التواصل مع القبائل، وأقنعوا العديد منها باعتناق المسيحية، والخضوع لملوك إسبانيا. ولعل الأشهر بين أولئك المترجمين كانت دونيا مارينا ابنة أحد كبار زعماء الأزتيك، والتي أصبحت مستشارة الفاتح المعروف هرنان كورتيس، ثم عشيقته، قبل أن يخوّنها أهلها للتواطؤ مع الفاتحين ضد شعبها. وفي الأساطير أن روحها ما زالت تحوّم معذبة في سماء عاصمة بلاد الأزتيك، حيث تقوم اليوم العاصمة المكسيكية.
