أدريان وولدريدغ
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

الاتحاد الأوروبي أمام مخاطر جسيمة في اتِّباع النموذج الصيني

استمع إلى المقالة

رأى عالم السياسة صمويل لوبيل ذات مرة أن الحزبين السياسيين في أميركا يمكن تقسيمهما إلى «حزب الشمس»، الذي يضع الأجندة الوطنية، و«حزب القمر»، الذي يعكس هذه الأجندة فحسب. وقد انتقل دور «حزب الشمس» من الديمقراطيين في الفترة الممتدة بين 1945 و1980 إلى الجمهوريين اعتباراً من عام 1980 فصاعداً.

ويمكن سحب الفكرة ذاتها على الأنظمة السياسية والاقتصادية؛ ففي الفترة الممتدة بين 1980 و2000، كان مقر «حزب الشمس» في واشنطن العاصمة، وكان مُكرساً للنهوض بالسوق الحرة. أما اليوم، فقد بات مقره في بكين، تدفعه المؤسسات المملوكة للدولة والحواجز الحمائية.

وقد تجلَّى حجم هذا التحول بوضوح خلال الزيارة الرسمية لشي جينبينغ إلى واشنطن، مؤخراً. فلم تتخلَّ الصين فحسب عن أي ادعاء بالانصياع لما كان يُعرف سابقاً بـ«إجماع واشنطن»، بل باتت الولايات المتحدة تُطبق اليوم كثيراً من مبادئ «إجماع بكين» الجديدة، على أساس أن الطريقة الوحيدة لهزيمة الصينيين هي الاقتداء بهم.

وقد حازت الحكومة الأميركية حصصاً في سلسلة متنامية من الشركات، مثل شركة «إنتل» (10 في المائة)، وشركة «يو إس ستيل»، (بنسبة ذهبية). وقد وظّفت الولايات المتحدة نفوذها في التحكم في النفط الفنزويلي والمعادن النادرة الأوكرانية بلا أي حرج. كما اقتدت بالصين في توظيف الحواجز الحمائية أداةً للسياسة الاقتصادية. وكانت الولايات المتحدة تمارس بعض هذه السياسات حتى قبل أن ينقذ باراك أوباما، على مضض، شركة «جنرال موتورز» من الإفلاس. غير أنها تخطو اليوم خطوات غير مسبوقة، مُستبدلةً الحماس بالتردد، وموظِّفةً الدولة لتشكيل ملامح الاقتصاد ككل وإضعاف خصومها.

وسلك العالم النامي مسلكاً مماثلاً من واشنطن إلى بكين. فقد عادت المؤسسات المملوكة للدولة إلى دائرة الضوء في دول تمتد من سنغافورة وإندونيسيا والبرازيل -والنموذج ينبغي في الحقيقة أن يُسمّى «النموذج السنغافوري» بدلاً من «نموذج بكين»، لأن سنغافورة هي أول من طوّره.

أما الأوروبيون فقد تمسّكوا بالمذهب الليبرالي الجديد أطول من غيرهم. وتُعدّ أوروبا من أكثر اقتصادات العالم انفتاحاً، إذ يبلغ مستوى انفتاحها على التجارة الدولية ضعف انفتاح الولايات المتحدة تقريباً. ويتجلى هذا الانفتاح بصورة خاصة في ألمانيا التي كانت -حتى وقت قريب- تَعدُّ الصين شريكاً تجارياً مثالياً، ومصدراً للبضائع الرخيصة، وسوقاً لمعداتها الصناعية. علاوةً على ذلك، لا يستند الاتحاد الأوروبي بصفته تكتلاً اقتصادياً إلى أساس متين، إلا إذا حال دون إقدام الدول الأعضاء على توفير دعم لصناعاتها الوطنية أو فرض حواجز تجارية داخلية بينها.

باتت الصين الآن تهدد بتقويض أركان «البيت الأوروبي»؛ فقد أدى قرار ترمب اتخاذ موقف متشدد حيال الصين إلى تحويل أوروبا إلى صمام أمان عالمي يمتص الفائض الهيكلي للقدرة الإنتاجية الصينية، مما أسفر عن تراكم عجز تجاري أوروبي مع الصين يتجاوز مليار يورو (1.1 مليار دولار) يومياً. وفي الوقت نفسه، فإن نجاح الصين في الارتقاء نحو القطاعات الأكثر تطوراً في السوق بات يهدد الصناعات عالية القيمة التي كان يُفترض أن تضمن استمرار رفاهية أوروبا: مثل السيارات، وآلات التصنيع، والمستحضرات الصيدلانية، والتكنولوجيا الخضراء. فقد استورد الاتحاد الأوروبي أكثر من مليون سيارة من الصين في عام 2025، بزيادة قدرها 30 في المائة عن العام السابق. كما أضحت ألمانيا تستورد الآلات عالية التقنية ومعدات المصانع من الصين أكثر مما تصدِّره إليها، في انقلاب واضح للنمط التجاري المستقر منذ عقود.

كما باتت «الصدمة الصينية الثانية» تهدد بالقضاء على المشهد السياسي الأوروبي بالأسلوب نفسه الذي أحدثته «الصدمة الصينية الأولى» في السياسة الأميركية: تجريف القاعدة الاجتماعية للسياسات القائمة على السوق الحرة. فقد أدت القفزة الهائلة في الواردات الصينية -عقب انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001- إلى تقويض الدعم الشعبي للتجارة الحرة، وإقناع عديد من العمال الذين كانوا يصوّتون للحزب الديمقراطي بتحويل ولاءاتهم لصالح ترمب. واليوم، تُكرِّر «الصدمة الصينية الثانية» السيناريو ذاته في ألمانيا؛ إذ نجح حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف في الوصول إلى السلطة في ولايتين بشرق ألمانيا مؤخراً، بينما ينهار الدعم الشعبي لأحزاب الوسط التقليدية، وفي مقدمتها حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الحاكم. وفي فرنسا، تتصدر مارين لوبان استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية، مستمدةً دعماً قوياً من المناطق التي كانت تُشكل معاقل الصناعة التحويلية السابقة.

ولم تعد المؤسسة التقليدية القديمة تملك حلولاً اقتصادية، مثلما يفقد نفوذها السياسي سيطرته. فالقاعدة الأولى في أدبيات النيوليبرالية تقضي بالرد على الضغوط التنافسية عبر الارتقاء نحو القطاعات الأعلى قيمة في السوق. غير أن الصين باتت متقدمة أشواطاً على أوروبا في مجال الذكاء الاصطناعي (بل تسبق الولايات المتحدة في بعض الجوانب). كما تتصدر الصين المشهد في مجالات التكنولوجيا الخضراء والسيارات الكهربائية. فضلاً عن ذلك، فإن البيروقراطية التجارية للاتحاد الأوروبي صُممت للتعامل مع الاختلالات السوقية العارضة -سواء كان دعماً معيناً أو عائقاً تجارياً- بدلاً مما تواجهه الآن: سياسة متماسكة وممنهجة تُدار على نطاق واسع ويخطط لها حزب شمولي وتهدف إلى ضمان هيمنة الصين على الأسواق العالمية.

وبات الاتحاد الأوروبي يدرك -وإن كان متأخراً- أنه لا خيار أمامه سوى السير على خطى الولايات المتحدة في محاكاة بعض جوانب «النموذج الصيني»، إذا أراد تجنب انهيار صناعاته الرئيسية وتفادي تطرف المشهد السياسي. وقد قدّم تقرير «دراغي» مخططاً توجيهياً لتحقيق مزيد من التكامل الأوروبي عبر إنشاء سوق رأسمالية موحدة وتأسيس «شركات أوروبية عملاقة» قادرة على منافسة نظيراتها الصينية.

في هذا السياق، اقترحت المفوضية الأوروبية «قانون المُسرّع الصناعي» لدمج الصناعات الاستراتيجية ودعمها، إلى جانب «قانون المشتريات العامة» الذي يتيح للسلطات الحكومية رفض العطاءات الخاصة بالعقود الكبرى، إذا كانت نسبة قيمتها المنشأة في أوروبا تقل عن النصف، فضلاً عن تأسيس «المؤسسة الأوروبية للمواد الخام الحيوية» لتقليل اعتماد التكتل الأوروبي على الصين عبر تجميع القوة الشرائية، وتكديس المخزونات من المواد الحيوية، وحماية سلاسل الإمداد العسكرية. ولا ريب في أن الاتحاد الأوروبي سيندفع أشواطاً أبعد في اتجاه الحماية الاقتصادية والسياسات الصناعية على النمط الصيني إذا ما استولى سياسيو اليمين الراديكالي على مقاليد السلطة.

غير أن حل «المعضلة الصينية» -المتمثلة في تبني السياسات الصينية لكبح جماح التمدد الصيني- لن يكون بالأمر الهين. فالاعتماد الأوروبي على الصين بلغ مستويات حادة للغاية. إذ أشارت أورسولا فون دير لاين إلى أن نسبة اعتماد التكتل الأوروبي على الصين في الحصول على المواد الخام الحيوية تتجاوز 80 في المائة، وتتعدى 90 في المائة في بعض العناصر الأرضية النادرة. كما تزخر ألمانيا بعديد من أنصار التجارة الحرة الراغبين في حماية النظام القديم والإبقاء عليه. حيث كشفت وثيقة مسرَّبة أن برلين تسعى للسماح باحتساب البضائع المصنَّعة لدى الشركاء التجاريين ضمن حصص «صُنِع في أوروبا» المنصوص عليها في «قانون المُسرّع الصناعي» لقطاعات الألمنيوم والإسمنت والتكنولوجيا النظيفة.

من جانبها، لن تقف الصين مكتوفة الأيدي، وإنما ستخوض مواجهة مضادة عبر استغلال اعتماد أوروبا على المكونات الصينية واللعب على أوتار الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد الأوروبي، وهي انقسامات عميقة وذات ثقل معتبر.

في عام 2016، كان الضغط الألماني حاسماً في إجبار اليونان المثقلة بالديون على بيع حصة غالبة في ميناء «بيرايوس»، وهي الحصة التي استحوذت عليها لاحقاً شركة مملوكة للدولة الصينية. فهل سينتهج اليونانيون نهجاً متشدداً تجاه الصين لإنقاذ صناعة السيارات الألمانية (التي كانت تملك متسعاً من الوقت للاستعداد لظهور السيارات الكهربائية الصينية، لكنها فضلت الاستكانة لأمجادها التليدة)؟

لا تحظى المفوضية الأوروبية بشعبية كبيرة على امتداد القارة؛ فهل سيحتشد المستهلكون الأوروبيون وراءها إذا ما أسفرت الحرب التجارية مع الصين عن نقص في السلع الاستهلاكية؟ إن الجميع خاسرون في نهاية المطاف من السياسات التجارية الحمائية (الميركانتيلية) لأنها تعتمد بالأساس على وجود طرف آخر يشتري فائض بضائعها. بيد أن الخاسر الأكبر هم أولئك الذين يستفيقون متأخرين على لعبة التضليل والخدع.

كان الاتحاد الأوروبي المستفيد الأكبر عالمياً من الحقبة الطويلة للهيمنة الليبرالية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية؛ وهو كيان استمد حيويته الاقتصادية من التكامل العالمي، واستمد شرعيته السياسية من الأفكار القائلة بأن التجارة تولّد الإصلاح السياسي، وإن الرفاهية تسير يداً بيد مع الليبرالية «مفهوم التجارة اللطيفة». وإن الإبقاء على مثل هذا المشروع حيّاً في عالم أضحت فيه الشمس تُشرق من بكين بدلاً من واشنطن، يتطلب مهارة سياسية فائقة من الطراز الأول. أما مدى امتلاك قادة أوروبا الحاليين هذه المهارات رفيعة المستوى، فهو أمر يبقى موضع شك وتساؤل كبير.