حين قرأتُ رسالة طه حسين التي كتبها عن ابن خلدون وفلسفته الاجتماعية ونال بها الدكتوراه من جامعة السوربون، فوجئتُ بطه حسين آخر لم أكن أعرفه من قبل.
وأنا، مثلي مثل كثيرين، أعرف طه حسين الأستاذ الجامعي والناقد الأدبي، وكاتب السيرة التاريخية، والسيرة الذاتية، والمقالات الصحافية، والروائي، والمترجم، وحتى طه حسين الشاعر الذي هجر النظم مبكراً فلم يعرف شعرَه إلا القليلون. لكني لم أكن أعرف طه حسين الباحث المدقق في التاريخ والفلسفة إلا باعتبار ما كتبه عن أفلاطون، وأرسطو، وعن الإسكندر، ويوليوس قيصر هامشاً لكتابته في الأدب والنقد، حتى قرأتُ رسالته عن ابن خلدون فوجدتُ عملاً جديداً جديراً بأن يُعتمد عليه في معرفة التراث العربي، وبأن يحتل في أعمال طه حسين مكاناً في المركز، مثله مثل أعماله الأخرى التي لا يكتفي فيها بالتعريف أو التعبير، وإنما يتجاوزهما إلى الاكتشاف والابتكار والتنظير، فيعرف هو أولاً بعمله ما لم يكن يعرفه من قبل، ويعرّف به قارئه الذي يجد نفسه بعد القراءة مختلفاً عما كان قبلها؛ فقد عرف عن موضوع العمل المكتوب ما لم يكن يعرفه، واكتشف في الكاتب جانباً عرفه به من جديد.
أقول هذا عن كتاب طه حسين دون أن أقلِّل من قيمة أعمال أخرى كُتبت عن ابن خلدون ولم يُتَح لي أن أقرأها، خصوصاً ما صدر منها في تونس وغيرها من أقطار المغرب العربي. ونحن نعرف أن ابن خلدون وُلد في تونس وتربى فيها؛ فمن المنتظَر أن يكون له في هذه الأقطار مكانه المستحق. صحيح أنه اختار مصر ليعيش فيها الشطر الأخير من حياته، نحو ربع قرن تفرغ خلاله للكتابة التي لم تمكّنه السياسة من التفرُّغ لها في المراحل السابقة من حياته، لكن الأساس كان في تونس، وهذا ما جعله دون شك موضوعاً أثيراً للكتابة عند المغاربة الذين يستطيعون أن يقدموا حوله الكثير، مستعينين بتراثه الذي يملكونه بالطبع، وبما كتبه الفرنسيون خاصة عنه، وهو مصدر آخر يعرفونه جيداً، ويستطيعون الرجوع إليه.
***
لكن المصريين والمشارقة عامة اهتموا في هذا العصر بابن خلدون، وبدأوا بطبع مقدمته في المطبعة التي أنشأها محمد علي في بولاق مع أعمال أخرى من التراث العربي اختارها رفاعة الطهطاوي. وقد صدرت الطبعة الأولى من «المقدمة» عام 1857. وحين عُيّن الأستاذ محمد عبده عام 1878 مدرساً للتاريخ في «مدرسة دار العلوم» التي أُنشئت عام 1872، قرأ «المقدمة» على طلابه وشرحها، وألَّف في موضوعها كتاباً ضاعت أصوله، عنوانه كما ذكر الدكتور عثمان أمين في كتابه عن الإمام محمد عبده «فلسفة الاجتماع والتاريخ»، ثم لا يمر وقت طويل حتى تقرر الجامعة المصرية الأهلية عام 1915 أن ترسل طه حسين إلى فرنسا لدراسة التاريخ، فيختار ابن خلدون موضوعاً لرسالته التي حصل بها على الدكتوراه بتفوق سنة 1917، وقد ظهرت بعدها مؤلفات أخرى وكتابات في الموضوع، منها كتاب محمد عبد الله عنان الذي أشرت إليه في المقالة السابقة، ومقالات لأحمد رشدي صالح جمعها في كتاب قرأت عنه عنوانه «رجل في القاهرة»، كما قرأت عن كتاب للدكتور عبد الرحمن بدوي سماه «مؤلفات ابن خلدون»، وعن كتاب آخر لساطع الحصري، وقرأتُ فصولاً في بعض الموسوعات، ومقالات عن ابن خلدون، منها مقالة للدكتور محمد مندور سماها «أصالة ابن خلدون».
***
والآن نسأل عما قدمه طه حسين في رسالته، ونجيب فنقول إنه قدم عملاً جديداً وفريداً عن هذا المفكر العربي الرائد، وهذا بشهادة أساتذته في السوربون وفي «الكوليج دو فرانس».
في هذا العمل جمع طه حسين بين ثقافته العربية الراسخة التي حصلها في الأزهر ثم في الجامعة المصرية الأهلية، على أيدي الأساتذة المصريين والأجانب المستشرقين الذين كانوا يحاضرون في الأدب، واللغة، والتاريخ، والفلسفة. وقد استطاع طه حسين في نهاية هذه المرحلة أن يضع يده على الموضوع الذي رأى فيه نفسه، ومنحه كل طاقاته، وهو أبو العلاء المعري الشاعر العبقري صاحب «اللزوميات» و«رسالة الغفران»، وعنه كتب طه حسين رسالته التي حصل بها على الدكتوراه من الجامعة المصرية، وتأهَّل بها للسفر إلى فرنسا مبعوثاً من الجامعة المصرية للحصول على الدكتوراه في التاريخ.
في فرنسا، بدأ طه حسين الطريق من أوله؛ فتعلم الفرنسية، وبعدها اللاتينية واليونانية، وحصل على الليسانس، ثم انتقل إلى ابن خلدون في مصادره العربية والفرنسية، فرأى فيه مفكراً ومكتشفاً سبق عصره بالمنهج الذي سار عليه في قراءة التاريخ وشرحه في «المقدمة».
وبالرسالة التي كتبها طه حسين حول هذا الموضوع، بعنوان «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية» حصل على الدكتوراه بتفوق أشاد به أساتذته.
وطه حسين في مقدمته التي كتبها لرسالته يتحدث عما قدمه، فيقول بثقة له الحق فيها: «أما أنا، فسأُعنى بأن أقدم للقارئ فلسفة ابن خلدون بطريقة صحيحة جهد الاستطاعة، وبأسلوب يقربها للأذهان الحديثة التي لم تعتد كثيراً درس الفلسفة الإسلامية، وسأحافظ مع ذلك على روحها العربي الذي يظهر فيه جلياً جدل العصور الوسطى».
ونقرأ الرسالة، فنرى طه حسين يناقش ابن خلدون بموضوعية واتزان؛ فهو يشهد له بما سبق إليه وتفوق فيه حتى على أفلاطون وأرسطو. يقول: «يريد ابن خلدون أن يشرح تاريخ الإنسانية بأوسع معاني الكلمة. وفي هذا تتفوق فكرته الاجتماعية تفوقاً كبيراً على فكرة أرسطو وأفلاطون، ومن باب أولى على فكرة مؤرخي العصر القديم».
لكن طه حسين لا يغفر لابن خلدون أخطاءه النحوية وخلطه بين الفصحى والعامية.
وهو مع هذه الثقة يعبر بصدق مؤثر وتواضع بالغ عما يجده في عمله من قصور، فيقول: «وليسمح لي بأن أعتذر عن أسلوبي الفرنسي، إذا ما بدا بلا ريب في كثير من المواضع ركيكاً أو خاطئاً، وكذلك عن الأخطاء المطبعية التي قد تقع في هذه الرسالة، فما كنت إلا غريباً وأعمى!».
وهكذا عرفنا طه حسين الآخر، عرفنا به ابن خلدون، فلنا الآن أن نقول له مع نزار قباني وهو يرثيه:
ارمِ نظارتيك ما أنت أعمى!
