خوان بابلو سبينيتو
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

أميركا تخسر البرازيل لصالح الصين

استمع إلى المقالة

إلى جانب كونها أشهر أندية كرة القدم في البرازيل، تجمع بين «فلامينغو» و«كورينثيانز» و«بالميراس» رابطة مشتركة أخرى: جميعها وقّعت عقود رعاية مع شركات صينية لصناعة السيارات، هذا العام.

ربما تكون كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى، لكنها ليست الساحة الوحيدة، التي تجتاحها، اليوم، الشركات الصينية في البرازيل. من السيارات الكهربائية لشركة «بي واي دي» وهواتف «شاومي» الذكية، وصولاً إلى تطبيق «99»، التابع لشركة النقل «ديدي»، أصبحت العلامات التجارية الصينية، معلماً بارزاً في الشوارع، وعلى شاشات الهواتف البرازيلية.

جاء ذلك جراء اندفاع كاسح نحو أكبر سوق استهلاكية في أميركا اللاتينية. ويمنح ذلك بكين نفوذاً متزايداً وقوة ناعمة ومكانة اقتصادية قوية، في وقت تحاول واشنطن صراحةً الحد من الوجود الصيني في نصف الكرة الغربي.

في كثير من الجوانب، فقدت الولايات المتحدة بالفعل جزءاً كبيراً من نفوذها الاستراتيجي في البرازيل لصالح الصين، التي تصوغ تحالفاً تجارياً واستثمارياً وسياسياً أعمق مع الاقتصاد الأكبر في المنطقة. ومن غير المرجح أن يتغير هذا المسار في أي وقت قريب، بغض النظر عن نتيجة الانتخابات المقرر عقدها في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول).

لننظر إلى التجارة، على سبيل المثال. عام 2009، أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر للبرازيل، ولم تتوقف هذه الروابط عن الازدهار منذ ذلك الحين. كما استحوذ العملاق الآسيوي على أكثر من 29 في المائة بقليل من إجمالي تجارة البرازيل، في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، مقارنةً بنحو 11.5 في المائة فقط للولايات المتحدة، حسب بيانات حكومية. يُذكر أنه قبل عقد، كانت الفجوة أضيق بكثير: 19 في المائة مقابل أقل بقليل من 15 في المائة.

وهذا العام، تتجه صادرات البرازيل إلى الصين نحو تسجيل رقم قياسي آخر، بقيادة صادرات فول الصويا والنفط، مما يجعل بكين مسؤولة عن تقريباً نصف الفائض التجاري الإجمالي للدولة اللاتينية. كما تشتري البرازيل مزيداً ومزيداً من الصين. وتكشف الأرقام عن أنها استوردت ما قيمته 52.3 مليار دولار من البضائع من بكين حتى أغسطس (آب)، ما يعادل نحو ضعف ما اشترته من واشنطن، بقيمة 27.3 مليار دولار، في ظل توجه ترمب نحو سياسات حمائية.

عام 2025، كانت البرازيل الوجهة الأولى في العالم للاستثمارات الصينية، وفقاً لتقديرات المجلس التجاري البرازيلي - الصيني (منظمة غير ربحية، مقرها ريو دي جانيرو، تركز على العلاقات الثنائية بين البلدين). وخلص المجلس إلى أن بكين راكمت رصيداً استثمارياً بلغ 85.5 مليار دولار، عبر 355 مشروعاً منذ عام 207.

ومن بين أحدث الأمثلة وأبرزها، إعلان شركة «بايت دانس»، المالكة لتطبيق «تيك توك»، في ديسمبر (كانون الأول)، عن استثمارات في مراكز بيانات بقيمة تتجاوز 200 مليار ريال (ما يعادل 38.6 مليار دولار) في ولاية سيارا شمال شرقي البلاد -أول مشروع لها في أميركا اللاتينية.

ونتيجة لذلك، أصبح اندماج البرازيل الاقتصادي مع العضو الزميل في مجموعة «بريكس» واسع النطاق، لدرجة أنه سيصبح بمنزلة انتحار سياسي لأي زعيم يضعه في مرمى الخطر. والتساؤل المطروح الآن: هل من الأفضل للبرازيل تعزيز التجارة مع الصين أم الولايات المتحدة؟

هذا حجم التحدي الاستراتيجي الذي تواجهه الولايات المتحدة في البرازيل، اليوم. ورغم النزعة الموالية لواشنطن، التي سادت تاريخياً في البلاد، فإن الوجود الاقتصادي الصيني يتصاعد في سلسلة القيمة. وبالتزامن مع ذلك، أدت هجمات ترمب المتكررة إلى الإضرار بصورة واشنطن بين البرازيليين العاديين. وقد وجد استطلاع حديث، أجرته مؤسسة «بودير داتا» أن 52 في المائة من الناخبين يؤمنون بضرورة أن تعزز بلادهم الروابط التجارية مع الصين، بينما قال 35 في المائة فقط إنها يجب أن تعطي الأولوية للولايات المتحدة.

وهذا يشكل النقيض تقريباً لما أسفر عنه الاستطلاع نفسه قبل عام. المؤكد أن التراجع في القوة الناعمة الأميركية لن يتلاشى بسهولة مع مجرد صعود حكومة جديدة في برازيليا أو ببعض المجاملات الدبلوماسية، خصوصاً أن ترمب أمضى فترته الرئاسية الثانية، حتى الآن، دون سفير معتمد في العاصمة البرازيلية.

ورغم التوترات الأخيرة في العلاقات الثنائية، تمتلك واشنطن فرصة حقيقية ومواتية لإعادة بناء الوجود الأميركي وتأثيره في البرازيل. وفي زيارة حديثة إلى برازيليا، سمعت خبراء استراتيجيين يُحذِّرون من مخاطر التقارب المفرط مع بكين، لأسباب تتجاوز رد الفعل العكسي، الذي قد يصدر عن البيت الأبيض. ويزداد القلق بشأن الديناميكية الكامنة للعلاقات الاقتصادية للبرازيل مع الصين؛ فهي لا تزال تصدر السلع الأساسية في الغالب، بينما تستورد من الصين المنتجات المصنعة والسلع الوسيطة، مما يترك البلاد في وضع أضعف، لخلق وظائف صناعية ذات قيمة مضافة.

إن الطفرة في السيارات الهجينة والكهربائية الصينية رخيصة الثمن نسبياً، على سبيل المثال، تعد خبراً رائعاً للمستهلكين البرازيليين. لكنها تشكل تحدياً خطيراً لقطاع السيارات في البرازيل ومورديها، الذين يدفعون، وليس دون سبب، بأنهم يتنافسون في بيئة غير متكافئة.

بيد أن ذلك سيتطلب وقتاً ومالاً واهتماماً مستداماً، في وقت لا تشكل هذه العناصر بالضرورة السمات المميزة لسياسات اليوم. قد تنظر واشنطن إلى فوز بولسونارو بوصفه انتصاراً لها، وتبريراً لسياستها تجاه البرازيل، ودليلاً على اكتمال التحول اليميني في أميركا اللاتينية. غير أن ترجمة ذلك إلى أعمال واستثمار ونفوذ استراتيجي دائم، سينطوي على صعوبة أكبر بكثير. وهنا، يمكن النظر إلى خافيير ميلي في الأرجنتين، أو دانييل نوبوا في الإكوادور، وهما من أقرب حلفاء البيت الأبيض الإقليميين، ومع ذلك استمرا في استغلال العلاقات الاقتصادية مع الصين. وإذا أرادت الولايات المتحدة استعادة قلب وروح البرازيل، فلن يكون التقارب الآيديولوجي على مستوى القمة فقط كافياً.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»