شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

الجزيرة السوداء

استمع إلى المقالة

هي ليست جزيرة، وليست سوداء. إنها اصطلاح تعبيري استقاه شاعر الإسبانية الشاهق بابلو نيرودا من حلم كان يتكرر في مناماته، ثم اختاره عنواناً لواحدة من قصائد ديوانه الشهير «إقامة في الأرض»، ليصبح بعد ذلك اسم البيت الذي بناه فوق هضبة مطلة على المحيط الهادئ في وسط تشيلي، وكان مهبط الإلهام الذي قطف منه معظم روائعه، وتحول بعد مماته متحفاً يسترجع مراحل حياة المتوّج بـ«نوبل للآداب» الذي وضع أجمل ديوان له وهو ما زال دون العشرين من عمره.

يقول نيرودا في مذكراته «أعترف أني عشت» إنه في ليالي الأرق الطويلة إبّان شبابه الأول، كان يتراءى له مشهد صخور كالحة وسط مياه المحيط عند أرخبيل «أرض النار» الذي تتقاسمه تشيلي مع الأرجنتين ويقع على أقصى أطراف أميركا الجنوبية ويطلق عليه «نهاية العالم». وعندما انتهى من كتابة إحدى القصائد التي سكب فيها عذابات السنين الصعبة التي عاشها، وضنى الخيبات العاطفية والشجن العميق الذي تركته في نفسه، اختار أن يكون عنوانها «الجزيرة السوداء». وبعد أن سطع نجمه في سماء الشعر الإسباني الذي كان يمرّ في أخصب مراحله، وذاعت شهرته ونُقلت أعماله إلى عشرات اللغات، قرر أن يشتري قطعة أرض تطل على المحيط الذي كان يرافقه في سهاده ومناماته، ويقيم عليها منزلاً تولّى هو تصميمه وشارك في بنائه وتأثيثه، وصار يمضي فيه فترات طويلة منصرفاً إلى الكتابة في عزلة تامة. وكان يخصص أياماً معيّنة يستقبل فيها أصدقاءه، ويعلن عنها بوضع إشارة خضراء على مدخل المنزل، ويرفع إشارة حمراء بقية الأيام التي كان دخول البيت محظوراً فيها حتى على الأقرباء.

كانت «الجزيرة السوداء» ركناً أساسياً في حياة نيرودا الشخصية وفي أعماله الشعرية ونشاطاته السياسية. لم تكن مجرد مكان أقام فيه معظم سنوات عمره وأمضى بين جدرانه أيامه الأخيرة يصارع المرض. فيها وجد السكينة الداخلية التي كان يطاردها طيلة سني شبابه، والملاذ الأخير لإبداعه الشعري الوثيق الصلة بالبحر وإيقاع الحياة التي تدور فيه وحوله.

كثيرة هي القصائد النيرودية الزاخرة بالصور والرموز المستوحاة من البحر والسفن والصيادين والرياح المالحة التي كان يراقبها كل يوم من جزيرته السوداء التي نحت من ضلوعها استعارة واسعة لأسرار الحياة ودفق الزمان في عروقها.

وفيها جمع نيرودا، الذي كان اسمه الحقيقي ريكاردو نفتالي ريّس، كل أنواع الأغراض البحرية، من قطع خشبية وخرائط وأدوات ملاحة وأصداف غريبة غالباً ما رصّعت أشعاره. وكانت الجزيرة السوداء أيضاً المكان الذي اختاره صاحب «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» ليستقبل أصدقاءه والشعراء والمفكرين الذين أثروا التبادل الإبداعي والثقافي الذي ميّز أعماله.

تغادر الجزيرة السوداء ولا تغادرك، وتبقى تهدر في وعيك أصوات غياب الشاعر الذي وشم البحر والحنين على قصائده.