معاناة السودانيين لا تخطئها العين. تلمسها في الأسواق والشوارع، وفي أحاديث الناس عن غلاء الأسعار وتدهور قيمة الجنيه وارتفاع سعر صرف الدولار، وتحسها في صفوف السيارات المنتظرة لساعات أمام محطات الوقود. إنها معاناة يومية لم تعد تحتاج إلى أرقام لتأكيدها، وإن كانت الأرقام تكشف جانباً آخر من حجم الأزمة وعمقها.
الحرب الراهنة غير مسبوقة في حجم الخراب الذي ألحقته بالبلاد، وفي اتساع دائرة المعاناة الإنسانية والاقتصادية التي تسببت فيها. فقد تراجعت مستويات التنمية، وتناقصت الموارد المحلية، واختل الهيكل الإنتاجي للاقتصاد. وتعطلت أو دُمرت مصانع ومنشآت وبنى تحتية، وتوقفت مؤسسات وخدمات أساسية، بينما تراجع الاستثمار، وهربت رؤوس أموال وطنية وأجنبية، وهاجرت أعداد كبيرة من الكفاءات والعمالة، الأمر الذي أضعف القدرة الإنتاجية وزاد الاعتماد على الواردات.
وفي الوقت نفسه، انخفضت إيرادات الدولة بصورة حادة، وتضررت الأنشطة الإنتاجية الكبرى، بما فيها النفط والزراعة، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة حادة في خدمات أساسية في مقدمتها الكهرباء، والتي باتت تشلّ كل مناحي الحياة، وتهدد إصلاح القطاع الصناعي، والموسم الزراعي وأرزاق المزارعين ومستقبل قطاع يمثل إحدى أهم ركائز الاقتصاد السوداني.
أمام هذا الواقع، يحتاج السودان إلى مؤتمر اقتصادي عاجل يبلور عملاً جاداً، ويضع خطة واضحة قابلة للتنفيذ لإخراج البلد من أزمته الراهنة، ووضع الأسس لإصلاح الاقتصاد والنهوض به على أسس سليمة بإجراءات واضحة يمكن البناء عليها وفق خطط من مراحل مدروسة.
لن يكون مثل هذا المؤتمر هو الأول منذ اندلاع الحرب. فقد عقد مؤتمر اقتصادي في بورتسودان أواخر عام 2024، وصدرت عنه توصيات تناولت قضايا الإنتاج والاستثمار والموارد، لكن السؤال الأهم اليوم ليس كم توصية صدرت، وإنما كم منها وجد طريقه إلى التنفيذ. فقد بقيت الأزمة، بل تفاقمت، والوقت لا يرحم.
سبق أن طُرحت أفكار لزيادة إنتاج النفط، وتعزيز الاستفادة من موارد البحر الأحمر، وتطوير المقومات السياحية، والاستفادة من تجارب دول أخرى. كما عقدت مؤتمرات للمانحين، صدرت عنها وعود لم يجد معظمها طريقه إلى التنفيذ. وفي ظل التعقيدات الدولية والأوضاع المالية الصعبة التي تواجهها دول كثيرة، لا ينبغي للسودان أن يبني خطته على انتظار الدعم الخارجي وحده، وإن ظل الدعم الدولي ومعالجة الديون المتراكمة، التي تتجاوز 58 مليار دولار بحسب تقديرات متداولة، عاملين مهمين في مسار التعافي.
المطلوب قبل كل شيء حلول تنبع من الداخل، وتقوم على تعبئة الموارد المتاحة، وإطلاق دور القطاع الخاص، وتفعيل الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي. وهذا يتطلب إزالة التعقيدات الإجرائية، وتفعيل قانون الاستثمار بصورة عملية، ومحاربة الفساد، والحد من هروب رؤوس الأموال، وخلق بيئة يشعر فيها المستثمر بالأمان والوضوح واستقرار القواعد.
كما يحتاج السودان إلى إعادة النظر في علاقة الدولة بالاقتصاد. فالدولة التي تعتمد بصورة واسعة على الجباية والضرائب لا تستطيع أن تبني اقتصاداً منتجاً ومستداماً. الأولوية ينبغي أن تكون لتوسيع قاعدة الإنتاج، وليس زيادة الأعباء على المنتجين والمواطنين.
ويجب أن تتضمن أي خطة اقتصادية إجراءات عاجلة لوقف الهدر المالي، وترشيد الإنفاق، وتوجيه الموارد نحو الغذاء والإنتاج والخدمات الأساسية، إلى جانب إنشاء أدوات لتمويل التنمية يكون من بينها صندوق تنموي يمكن أن يستند إلى الادخار المجتمعي والسندات الحكومية، وفق ضوابط واضحة وشفافة تعالج المشكلات التي ظهرت سابقاً في تطبيق هذا النموذج في مراحل مختلفة.
ويحتاج التعافي إلى خطة من ثلاث مراحل: عاجلة لوقف التدهور وحماية الإنتاج والغذاء والخدمات الأساسية، ومتوسطة لإعادة تشغيل القطاعات المتضررة واستعادة النشاط الاقتصادي، وبعيدة المدى لإطلاق الطاقات الكامنة وبناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وتنافسية.
ورغم أهمية قطاعات الصناعة والتعدين والنقل والاتصالات، فإن قوة السودان الحقيقية ومستقبله الاقتصادي يكمنان بدرجة كبيرة في ثروته الزراعية والحيوانية. فالسودان يملك مساحات زراعية شاسعة، منها ما يقدر بأكثر من 150 مليون فدان غير مستصلحة، إلى جانب موارد مائية كبيرة من الأنهار والأمطار. وفي عالم أصبح فيه الأمن الغذائي قضية استراتيجية حاضرة ومستقبلية، فإن هذه الموارد يمكن أن تتحول من إمكانات معطلة إلى مصدر للنمو والدخل والاستقرار.
السودان لا تنقصه الموارد بقدر ما تنقصه الإدارة القوية والرشيدة، والبيئة المناسبة، والخطة التي تتحول من الورق إلى واقع. وما يحتاجه الآن ليس مؤتمراً جديداً فحسب، وإنما عمل اقتصادي وطني متواصل، بأهداف محددة، ومسؤوليات واضحة، وآليات تنفيذ.
فالأزمات الكبرى لا تُحل بالانتظار، والثروات لا تصنع التنمية ما لم تتحول إلى إنتاج. والسودان، رغم كل ما أصابه، ما زال يملك من الموارد والطاقات ما يمكن أن يجعل التعافي ممكناً، إذا بدأ العمل الجاد الآن.
