د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

«السوشيال ميديا» في عُهدة «المُفكر السريع»

استمع إلى المقالة

كان عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو هو من لفت انتباهنا إلى ظاهرة «المُفكر السريع»، في كتابه الشهير «عن التلفزيون»، وقد سماه «فاست ثينكر» (Fast thinker)، في تناص لا تخفى دلالته على أحد مع عبارة «فاست فود» (Fast Food)؛ إذ يربط بين هذا «المُفكر»، وطريقته في التفكير، ونتاجه الفكري، وبين ما نعرفه جميعاً عن أضرار الأغذية السريعة.

يشرح بورديو في كتابه كيف يفرض التلفزيون قيوداً زمنية على المتحدثين، بشكل يضطرهم إلى تصنيع عبارات مُعلبة وسريعة وقادرة على الإيحاء، في دقائق أو ثوانٍ معدودات، لمواكبة أحداث ما زالت تتفاعل ولم يظهر كل أبعادها، لأن منطق التلفزيون يفرض هذه المواكبة الفورية.

لقد رحل بورديو عن الحياة في عام 2002، قبل انفجار ثورة وسائل «التواصل الاجتماعي»، وربما لو كان حياً في ظل ازدهارها الرهيب، لوجد شواهد وأمثلة لا تُعد ولا تُحصى لإثبات أطروحته، في ظل تحول عدد كبير من مستخدمي هذه الوسائط الرائجة إلى «مُفكرين».

ومن جانبي، ما زلت أغبط هؤلاء الذين يستطيعون الكتابة والحديث إلى وسائل الإعلام كل يوم من دون توقف على مدى أعوام طويلة في قضايا تخص الشأن العام.

إنها قدرة كبيرة وموهبة عظيمة ومهارة نادرة؛ أن تستطيع الإدلاء برأيك في مسائل تخصصية وحساسة وحافلة بالتفاصيل والخلفيات والسياقات والأرقام والقوانين والحالات المُقارنة، وأن يحدث هذا دوماً ببساطة ومن دون طلب الوقت اللازم لفحص القضايا وتقصي أبعادها وسبر أغوارها.

فعلى مدى عقود طويلة، كانت لدينا طبقة من المتحدثين الدائمين، تمثلت في هؤلاء الذين يمتلكون منابر للكتابة الدورية، أو أولئك الذين يقدمون برامج التلفزيون والإذاعة في المؤسسات الإعلامية التي لا تحترم قواعد المهنة ولا تفصل بين الرأي والخبر، وأيضاً هؤلاء الذين يتم اللجوء إليهم في أقنية الإعلام المختلفة بوصفهم مصادر للتعليق على الشؤون الجارية بانتظام. ورغم الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى هؤلاء الذين يحترفون تقديم التعليقات الفورية على القضايا الحيوية عبر وسائل الإعلام «التقليدية»، فإنه يمكن تفهم قيامهم بهذه الأدوار، بالنظر إلى التراكم الذي يمتلكونه في الموضوعات التي يتصدون للحديث عنها، والتزامهم بقواعد معينة خلال حديثهم، وأخذاً في الاعتبار الطبيعة الضاغطة لعمل المؤسسات الإعلامية التي تضطر في أحيان كثيرة للحصول على تحليلات سريعة للتطورات المهمة، لكي تؤدي مهمتها في شرح الأخبار للجمهور.

لكن ما فعلته «السوشيال الميديا» في هذا الصدد كان خطيراً وفارقاً؛ فهي ضاعفت أعداد أصحاب التعليقات الفورية على القضايا الحيوية آلاف المرات، ولم تكن تمتلك الحد الأدنى من القواعد أو المعايير التي يمكن أن تضبط آراءهم من خلالها، أو تضمن بقاءها في حيز المعقول. ولقد فعلت «السوشيال ميديا» شيئاً آخر لا يقل خطورة في هذا الصدد؛ إذ أعفت أصحاب الآراء الجاهزة والسريعة من أن يكونوا على صلة بما يتحدثون فيه، وفي عديد الحالات، لم تُرسِ أي قواعد لمساءلتهم عن الخطأ في أطروحاتهم حال حدوثه، ثم هي لم تطالبهم حتى بتوثيق هوياتهم في معظم الأحيان.

ومع هذا التزاوج العجيب بين إشكال مفهوم في «الميديا التقليدية»، كرّس طبقة من «المُعلقين الفوريين» على كل الأحداث وفي كثير من التخصصات، وبين عوار راسخ في «السوشيال ميديا»، جعل ملايين المستخدمين قادرين على لعب هذا الدور. أصبحنا في حالة إعلامية وثقافية فريدة؛ ومفادها باختصار: لدينا آراء جاهزة للتعليق على كل تطور جديد.

هل يمكن أن يفهم أحد أن المقصود مما سبق طرحه في هذه المساحة هو وضع القيد على محترفي الكتابة الدورية في الشؤون العامة، أو تحجيم انخراط الجمهور العادي وغير المتخصصين في مناقشة تلك الشؤون، أو محاولة فرض قيود على التعبير عن الرأي في المجال العام، وعبر وسائط الإعلام المتخلفة؟

بالطبع لا. ليس هذا هو المقصود بكل تأكيد؛ إذ إن إحدى علامات المجتمع الصحي المنفتح تتجسد في قدرته على طرح قضاياه الحيوية على المجال العام، وقدرة أفراده ومؤسساته على التعبير عن آرائهم بحرية في تلك القضايا.

لكن ما أمكن رصده بوضوح ضمن هذه الجرأة اللافتة في المسارعة بالتعليقات الفورية على التطورات الحيوية، يكمن ببساطة في أن معظم المُعلقين لا يُدلي برأيه بقدر ما يعبر عن مصالحه أو انتماءاته التقليدية، ولا يؤسس مواقفه على أسس عقلانية، ولا يلتزم تقاليد الحوار وآدابه، ونتيجة ذلك لا تخدم الحقيقة أو التفاهم أو المصلحة العامة.

لا يجب أن يستسهل مستخدمو «السوشيال ميديا» إصدار الأحكام والإدلاء بالتعليقات الفورية في القضايا المهمة والحساسة، ولا يجب أن تتحول ساحتها ميداناً للتحارب بالآراء السريعة الحادة.