د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

أول هاتف قابل للطي

استمع إلى المقالة

كشفت «أبل» قبل أيام عن أول هاتف قابل للطي في تاريخها، بسعر يبدأ من ألفَي دولار ويتعدى 3 آلاف دولار، فامتلأت الشاشات بمراجعات تتحدث عن «تحوّل» و«فجر عصر جديد»، وكأن الهاتف الذي يُطوى اختُرع هذا الأسبوع. والحقيقة أن هذه الأجهزة تُباع منذ سبع سنوات؛ فقد طرحت «سامسونغ» أول هاتف قابل للطي عام 2019، وتلته أجيال متتابعة من شركات أنظمة «أندرويد»، حتى صار الطي تفصيلاً مألوفاً على الرفوف. وخرج مستخدمو «أندرويد» هذا الأسبوع يذكّرون العالم، بشيء من المرارة، أنهم يطوون هواتفهم منذ سنوات دون أن يلتفت إليهم أحد. الميزة ذاتها، والتقنية ذاتها، لكنها اختُرعت مرتين: مرة في صمت، ومرة في احتفال. والسؤال الذي يستحق الوقوف عنده بحسب أدبيات الاقتصاد السلوكي، ليس أي الهاتفين أفضل، بل لماذا يُرى الشيء الواحد اختراعاً حين يحمل شعاراً، وتفصيلاً تافهاً حين يحمل شعاراً آخر؟

رصد الباحثون هذه الظاهرة، وقاسوها ووضعوا لها اسماً هو «الولاء المضاد» (Oppositional Loyalty)، ومعناه أن جزءاً من انتماء المستهلك لعلامته لا يتحقق بمدحها وحده، بل بالتقليل من شأن منافستها. وأوضح ما يشرح هذه الحالة دراسة للباحثين طومسون وسينها، تتبّعت أكثر من سبعة آلاف عضو في مجتمعات علامات تجارية على مدى زمني طويل، فوجدت أن طول العضوية وكثرة المشاركة يزيدان رفض الشخص لمنتجات المنافس، لكن بشرط دقيق واحد: أن يكون المنافس هو من أطلق المنتج أولاً، أما إذا أطلقته العلامة المفضّلة، فالحماس يصبح كاملاً بلا تردد. ويعني ذلك أن الرفض في جوهره ليس رفضاً للمنتج، بل رفضٌ لأسبقية الآخر؛ لأن هذه الأسبقية وحدها كافية لزعزعة قناعة قديمة بأننا اخترنا الأفضل، وهذا بالضبط ما جرى مع الهاتف القابل للطي: استُصغر سبع سنوات؛ لأنه جاء من هناك، واحتُفي به حين جاء من هنا.

ويبقى السؤال: لماذا يتحول خلاف على جهاز إلى خصومة شخصية؟ هنا تتدخل دراسات «ارتباط الذات بالعلامة»، وخلاصتها أن من يجعل علامة تجارية جزءاً من صورته عن نفسه يتلقى نقدها كما يتلقى نقداً شخصياً، فيندفع للدفاع عنها دفاعاً انفعالياً، بل تنخفض ثقته بنفسه حين تخفق هي، ولهذا لا يكون الجدال في حقيقته عن جودة الهاتف، بل عن صاحب الهاتف، ولهذا أيضاً لا تنفع فيه الأرقام ولا المقارنات المخبرية؛ لأن الرقم لا يعالج شعوراً.

وقد يتجاوز هذا الشعور الكلام، فالعلامة تغيّر الإدراك نفسه لا التعبير عنه فقط. ففي تجربة شهيرة نُشرت عام 2004 في مجلة لعلوم الأعصاب، تذوّق مشاركون مشروبَين غازيين دون معرفة اسمَيهما، فجاء تفضيلهم على نحوٍ، فلما عُرِّفوا بالعلامة انقلب التفضيل، ونشطت في أدمغتهم مناطق مرتبطة بالذاكرة وصورة الذات لا مناطق التذوق؛ أي إنهم لم يجاملوا، بل ذاقوا فعلاً طعماً مختلفاً. وفي بحث أحدث نُشر عام 2023 اختُبر مستخدمون على نظامَي «أبل» و«أندرويد» التشغيليين في مهام يومية بسيطة كضبط منبّه أو مشاركة صورة، فتساوى النظامان في الوضوح والكفاءة والسهولة، وافترقا في بند واحد فقط هو الشعور بالتفرّد؛ إذ حصل نظام «أبل» على 4.75 من خمسة مقابل 3.82 لمنافسه، فالفارق المُدرك لم يكن في الأداء، بل في الإحساس بالتميّز.

فمن المستفيد من هذا كله؟ هنا يدخل الاقتصاد. المبدأ الذي وضعه عالم النفس الاجتماعي الأميركي ليون فستنجر قبل سبعين عاماً، يقول إن الإنسان لا يحتمل التناقض بين ما يفعله وما يعتقده، فيعدّل اعتقاده ليطابق فعله، وحين يدفع المشتري ألفَي دولار في جهاز، يصبح الاعتراف بأن منافسه يقدّم الشيء نفسه بنصف الثمن اعترافاً بسوء اختياره هو، فيختار العقل الطريق الأسهل: أن يقنع نفسه بأن ما اشتراه أفضل فعلاً. والمفارقة أن ارتفاع السعر لا يضعف الدفاع، بل يقوّيه، وهذا في دفاتر الشركات بندان لا بند واحد: أحدهما قدرة على التسعير لا يملكها المنافس، والأخرى جيش من المسوّقين المتطوعين لا يتقاضون أجراً، ويدافعون عنها في كل مجلس ومنصة، فتنخفض تكلفة اجتذاب الزبون الجديد. يضاف إلى ذلك أن الخروج من المنظومة نفسه مكلف بعد سنوات من التطبيقات والمشتريات والأجهزة المرتبطة، فيصير التمسك بالخيار القديم قراراً رشيداً واقتناعاً نفسياً في آن.

ويعبر المثل الشعبي بالقول إنه «من حَكَم في ماله فما ظَلَم»؛ أي إن كل شخص حر في التصرف بماله، وللشخص أن يشتري ما شاء بما شاء دون الحاجة للتبرير، ولكنه قد يسأل نفسه عن التفضيل بين الخيارات: هل سأدفع نفس الثمن لو كان الشعار مختلفاً؟ فالجهاز قد يُخترع مرتين، ولكن المشتري كذلك يدفع مرتين؛ مرة ثمن الجهاز، ومرة أخرى ثمن الشعور، ولا ينسى أن الشركات تضع قيمة تجربة المستخدم ضمن التسعير، والكثير يرى أن تجربة تقييم أول جهاز قابل للطي من شركة «أبل» تستحق دفع ضعف الثمن.