عبد الله الغذامي
كاتب سعودي
TT

انكسارات الأبطال

استمع إلى المقالة

هل يتقن البشر اختيار نهاياتهم؟ وهل تسعفهم تجاربهم في تحديد توقيت جيد لنهاية محتومة؛ لكنها فقط تحتاج لتوقيت جيد؟!

خطرت عليَّ هذه الأسئلة حين شاهدت ميسي يعلن اعتزاله (الأخير) مع منتخب بلاده، وظهرت مع الخبر صورته في ملعب نيوجيرسي يوم 19 يوليو (تموز) 2026 يقف مواجهاً جماهير الأرجنتين ممن بقوا في الملعب، يحاولون مواساته بعد الهزيمة المخجلة لعباً وسلوكاً، وهي الهزيمة التي طيَّرت حلم ميسي بخاتمة مشرقة له مع منتخبه. ولو اعتزل ميسي عام 2022 بعد حصول فريقه على كأس العالم في قطر، لظلَّ في ذاكرة البطولات وذاكرة المعنى الأخلاقي، حين ينزل المرء من كرسيه العالي ويعود لصفوف الحياة، لتظل صورته عالية في مقام الذكريات والتهاني.

وفي هذا المعنى أتذكر استقالة هارولد ويلسون، زعيم حزب «العمال» ورئيس وزراء بريطانيا عام 1976؛ تلك الاستقالة التي لاقت إكباراً رفيعاً من كل أطياف الطبقة السياسية والإعلامية في بريطانيا؛ لأنه غادر في عزِّ تفوقه واكتمال ظروفه بغالبية مريحة معه في البرلمان، ودون أي تحديات تضغط عليه، وكان تصرفه ذاك خبراً مفاجئاً، فضرب على التحليلات، وأشغل الشاشات، مقارنة بغيره من زعماء مثله ظلُّوا إلى أن قهرتهم ظروفهم للاستقالة أو الهزيمة في الانتخابات، كما حدث لمن جاءوا بعده. ذاك نوعٌ من كتابة نهايات رفيعة لم يدركها ميسي الذي فوَّت فرصة الخروج الرفيع ليقع في خروج ذليل، وستظل لحظة خروجه تزعج ذاكرته؛ لأنها علامة انكسار لبطل كان بيده ألا ينكسر.

هنا تحضر معاني النهاية، وكيف يكتب البشر نهاياتهم، وهل يحسنون قراءة مسار الدلالات أم يغفلون عن رسائل الجسد، من حيث إن الجسد هو أبلغ النصوص في صناعة الرسائل، ولكنها رسائل تأتي في شفرات تحتاج لقراءة ذكية وواقعية لكي تبلغ غايتها.

والعلة دوماً في الرأس الذي يكابر، ويظل يوحي لنا بأننا أقوياء وقادرون. وميسي لم يقرأ رسائله الجسدية، ولم يتصور حدوده، فتجاوز الحد ليقتل لحظته التي كانت ستكون عالية المقام، فوقع في ألمه الذي كان ينتظره على مفرق الطريق. وهذه -عادةً- هي نهاية معظم من كان معناهم يقوم على أجسادهم؛ تلك الأجساد التي تعطي بسخاء، وتستجيب للتدريب والتحفيز؛ لكنها لها حد لا تقوى على معاندته، وعند الإنجليز مثَلٌ يقول: «صدِّق جسدك»، أي: لا تصدق عقلك، فالعقل يقول لك إنك قادر ومكتمل وناضج، ولكن لغة العقل لا تسري على الأجسام من حيث إنها تستمد طاقتها من عضلاتها، والعضلات لها عمرٌ عادة لا يكون طويلاً؛ خصوصاً إذا ضغطت عليه الطلبات، وأخضعته للظروف والمعاناة والتصبر والتجبر. ومن طبع الرياضيين التجبر وقهر الجسد فوق طاقته، استجابة لشروط البطولات التي تحترم مواقيتها بشدة مطلقة، ولكنها تغفل عن ظروف الأبطال أنفسهم.

وفي عالم الغناء، كابر مايكل جاكسون، وعاند ظرفه، واستعان بالمنشطات لكي يبقى نجماً، فسقط قبل بلوغ حنجرته سن النهايات.

لكن الملحوظ تاريخياً أن من يقوم نشاطه على دماغه يظل قوياً في عطائه كلما امتد به العمر؛ ربما لأنه في تعاهد وثيق مع دماغه من حيث إنه مصدر عطائه، ومن ثم مصدر قوته في شبابه وفي هرمه، ويفي له حتى مع تراجع قوته الجسدية.

هذا هو الملحوظ في سير الفلاسفة والمفكرين والمبدعين، ونحن لا نعرف الفلاسفة العظماء من صورهم في الشباب؛ بل من صورهم في الشيب مع العكاز والنظارات المقعرة، وكذلك بما خلفته لنا القرون من منحوتات ورسومات للعظماء، تختار لهم حالات سنهم المتأخرة، فهم عندنا أقوياء بفكرهم وليس بأجسادهم، والفكر لا بد من أن يظهر قوياً وجباراً كما هو شرط الذاكرة الثقافية. بل إن تهالك الجسد يزيد المفكرين وقاراً وهيبة، وربما تواضعاً وحكمة. ولم تكذب الصور ولا التخيلات، فهي رسائل ثقافية تواطأت عليها الذاكرة البشرية.

وفي المقابل، فالمعنى الثقافي يشير إلى أن قصص نهايات الأبطال تتعاظم كلما عظمت مأساويتها، فالملاحم القديمة والأفلام الحديثة تطرب للنهايات البائسة؛ لأنها تكتب نهاية العرض بحدث يبقى في ذواكر المتلقين. وهذه أفضل حيلة لتوالي العروض، ولجذب رغبات المشاهدين، كما يحدث في قصص الحب الكبرى ونهاياتها الفاجعة، وكأن ذلك شرطٌ للخلود.

وصناع الأفلام والملاحم يحتفلون بالأبطال التراجيديين؛ لأن الجماهير تستمتع بانكسار البطل لكي تبكي عليه، ونحن نحب انكسارات امرئ القيس، وقيس بن الملوح، والمتنبي، ومأساة ابن زريق، ومَصارع العشاق؛ حيث متعة الحزن وثراء الجرح المكلوم. وهي زاد الخيال وأساطير الثقافة وحكاياتها.

ولو كُتبت قصة ميسي، فأحسن سيناريو لها سيكون مع صورته الأخيرة في الملعب؛ إذ يقف وحيداً وحزيناً وباكياً. وهذه صورة تغري أي مخرج مسرحي أو سينمائي ليصنع منها نهاية مشبعة بالعواطف، تختم العمل بذاكرة البطل المنكسر، تلك التي تحرك مخازن العواطف والتعاطف.