تركي الدخيل
كاتب سعودي. شغل منصب سفير المملكة العربية السعودية لدى الإمارات العربية المتحدة بين 2018 و2023. كما عمل مديراً لقناتي «العربية» و«الحدث» بين 2015 و2018.
TT

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

استمع إلى المقالة

بَيْتُ القَصِيدِ مِنْ أَشْهَرِ أَبْيَاتِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ الَّتِي يَكْثُرُ الاسْتِشْهَادُ بِهَا فِي الكُتُبِ، وَالمَقَالَاتِ، وَالخُطَبِ، وَالمُحَاضَرَاتِ، عَلَى اخْتِلَافِ مَوْضُوعَاتِهَا، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:

فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

وَيَكْثُرُ التَّمَثُّلُ بِهَذَا البَيْتِ الشَّهِيرِ مِنْ دُونِ ذِكْرِ قَائِلِهِ، وَيَنْدُرُ أَنْ تَجِدَ البَيْتَ مَنْسُوباً إِلَى شَاعِرٍ.

وَهْوَ مِنْ شِعْرِ شِهَابِ الدّينِ السَّهْرَوَرْدِي، يَحْيَى بْنَ حَبشٍ بنِ أميرك (549-587هـ = 1154-1191م)، مِنْ قَصِيدَةٍ حَائِيَّةٍ أَثْبَتَهَا فِي تَرْجَمَتِهِ يَاقُوتُ الحَمَوِيّ فِي «مُعْجَمُ الأُدَبَاء»: ج6، ص2808، وَابْنُ خِلّكَانَ فِي «وَفَيَاتُ الأَعْيَان»: ج6، ص268، وَفِيهَا البَيْتُ المَذْكُورُ.

وَلَا أَدْرِي، أَمَيزَةٌ هِيَ أَمْ عَيْبٌ، أَلَّا تَشْتَهِرَ نِسْبَةُ البَيْتِ إِلَى شَاعِرِهِ؟!

يَبْدُو عَيْباً إذَا نَظَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ زَاوِيَةِ هَضْمِ حَقِّ الشَّاعِر، وَضَيَاعِ بَعْضِ حَقِّهِ الفِكْرِيّ وَالإِبْدَاعِيّ، وَاحْتِمَالِ نِسْبَةِ البَيْتِ إلَى غَيْرِ قَائِلِه.

وَالأَكِيدُ أنَّ كَثيراً مِمَّنْ يَسْتَشْهِدُونَ بِالبَيْتِ دُونَ عَزْوٍ لَا يَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَاعِرُ البَيْتِ، وَمِثْلُهُمْ كَثِيرُونَ لَا يَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شِهَابُ الّدينِ السَّهْرَوَرْدِيّ تَحْدِيداً!

اشتهر شهاب الدين السهروردي بـ«السهروردي المقتول»، وهو فيلسوف، نشأ بمراغة، وتنقل في البلاد، ثم استقر به المقام في حلب، حيث أثارت آراؤه جدلاً شديداً، وانتهى أمره إلى سجنه وقتله في قلعة حلب سنة 587هـ.

فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

«فتشبهوا»: أمرٌ من الشَّاعرِ بالتَّشبُّهِ، يوجهُهُ إلَى جمهورِهِ، دُونَ أنْ يسميَهُمْ أو يشيرَ إليهمْ مُباشرةً، أمَّا المشبَّهُ بِهِمْ فَهُمْ «الكِرَام»، وَقدْ جاءَ ذكرُهمْ فِي عَجُزِ البَيْتِ.

قَالَ ابنُ منظور في «لِسانُ العَرَب»: «الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ: المِثْلُ»، وَقَالَ فِي الكَرِيمِ: «الجَامِعُ لِأَنْوَاعِ الخَيْرِ وَالشَّرَفِ وَالفَضَائِل»، وَالكَرِيمُ «اسمٌ جَامِعٌ لِكلِّ مَا يُحْمَدُ». فَالكرمُ هنَا أوسعُ من أن يُحصرَ في السَّخاء والبَذل؛ إنَّه كرمُ النَّفسِ، وشَرفُها، وجَميلُ سجايَاهَا، وَمحاسِنُ خِصَالِهَا. ومنْ ثمَّ يدعُو الشَّاعرُ إلى الاقتداءِ بِأهلِ تلك الخِصالِ، وَالتَّشبُّهِ بِهم، حتَّى إنْ لمْ يبلغِ المَرءُ مَنزلتَهمْ؛ لأنَّ مجردَ الاتّجاهِ نَحْوَهُمْ، وَمُحَاوَلَةِ الاقترابِ منْ أخلاقِهمْ، طريق إلى الفلاح.

وَ«الفَلاحُ»: الفَوْزُ وَالنَّجَاةُ وَالبَقَاءُ فِي النَّعِيمِ وَالخَيْر.

وَالتَّشبُّهُ بِالكرامِ، المأمورُ بهِ في بيتِ السَّهْرَوَرْدِي، تَشَبُّهٌ مَقصودْ، يقومُ على الانتقاءِ وَالاختيار. فالإنسانُ يرَى خُلُقاً يُعجبُهُ، أوْ سيرةً تَستَوقِفُهُ، أو رجلاً يستهويهِ ما فيهِ من فضلٍ، فيعمدُ إلى الاقتداءِ به، ومحاكاةِ مَا استحسنَهُ من صفاتِهِ.

وثمّةَ شَبَهٌ آخرُ لا يقعُ بالاختيارِ نفسِه، ولا ينشأُ دائماً عن قصدٍ، بل تفرضُه البيئةُ، وتصنعُهُ الصُّحبَةُ، ويشكّلُهُ العَصرُ، حتَّى يصبحَ الإنسانُ شَبيهاً بأهلِ زَمانِهِ، من حيثُ يدرِي أوْ لَا يَدْرِي. وَهذَا هوَ الشَّبَهُ الَّذِي عبَّرَ عنهُ عمرُ بنُ الخَطَّاب، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي كَلِمَتِهِ العَمِيقَة:

«النَّاسُ بِزَمَانِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهُمْ بِآبَائِهِمْ».

وَالمعنَى أنَّ النَّاسَ يُشبهونَ مُعاصرِيهمْ، وَمُجَايِلِيهِمْ، وَأَقْرَانِهِمْ، وَأَصْحَابِهِمْ، أَكْثَرُ مِنْ شَبَهِهِمْ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِم.ْ

وهي كلمة عميقة الدلالة، جميلة الألفاظ، واسعة المعاني؛ فالإنسان ابن زمانه، يتأثر بلغته، وذوقه، وعاداته، واهتماماته، وطريقة تفكيره، وأسلوب عيشه، بل وبما يستحسنه ويستنكره، أحياناً من غير أن يشعر. ويشرحُ شمسُ الدينِ السَّخاوي هذا المعنَى بقوله: «أي النَّاسِ يتشبَّهونَ بندمائِهمْ لا بآبائهم، فَمَنْ أهانَهُ الزَّمانُ أهانوهُ، ومَنْ أَعَانَهُ أعَانُوهُ». وَلعلَّ الفارقَ بين قولِ السَّهْرَوَرْدِي، وَقَولِ عُمرَ بنِ الخَطَّاب، فارقٌ بين نوعينِ من الشَّبَه: شَبَهٍ نختارُهُ، وشَبَهٍ يختارُنَا.

فالأوَّلُ تشبهٌ بالإرادةِ والاختيار؛ نرَى الكِرامَ فنقصد إلَى مُشابَهتِهم، ونتأمَّلُ محاسنَهْمْ فنحاولُ أنْ نأخذَ منهَا بِنَصِيبٍ.

أمَّا الثَّاني، فهو شَبَهٌ يصنعُه الزَّمَانُ فينَا، ويتسلَّلُ إلينَا عبرَ النَّاسِ الذين نعيشُ بينهم، والأفكارِ الَّتِي تحيطُ بنا، واللُّغةِ التي نتكلَّمُ بها، والأذواقِ الَّتِي تسودُ عصرَنَا، حتَّى يصبحَ شَبِيهاً بِالإِجْبَار. فَالمرءُ يستطيعُ أن يختارَ مَن يتشبَّهُ به، لكنَّهُ لا يستطيعُ أن يختارَ كلَّ مَا يجعلُهُ شَبيهاً بِأهْلِ زَمَانِه.

وبين شَبَهٍ نختارُه، وشَبَهٍ يختارُنا، تبدُو وَصِيَّةُ السَّهْرَوَرْدِيّ أَكثرَ عمقاً:

فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ