منذ أول ارتطامٍ بين الإنسان وحالةِ الاستغناء القصوى وهو يجدد اللوذ بأحدثِ مخرجات الحداثةِ وبأغلى منجزاتِ الموضة وبأقوى أفكار التباهي وسبل البهجة.
كل تلك الأفكار رُصدت مبكراً من قبل مفكّرين ومختصّين منذ ثورستين فيبلين في منتصف القرن التاسع عشر ثم تفجّر البحث العميق بها مع الفيلسوف جان بودريار في بحر القرن العشرين؛ ثم تحوّلت لاحقاً ظاهرة الموضة والصرعة وعوالم الاستهلاك وحالات «التشيؤ» من ضمن المواضيع التقليدية الدائمة في علم الاجتماع بكل ما يحمله عالم الموضةِ من مستجداتٍ ورموز.
وعليه فإن الموضة بفروعها باتت مغريةً للإنسان بحيث راح يتتبع آثارها وأنماطها، فهي كما تخصّ الصحافي الذي يرصد عوالمها إنما تهمّ المختصّين بالجماليات وبالأفكار وبعلاقات الإنسان بالإنسان.
وموسم الصيف يعدّ البازار الأبرز الذي تتبدّى وتُستعرض فيه عوالم الموضة ولذلك تتفرّغ المجلات والصحافة ومختلف وسائل الإعلام لرصد كل الأنماط وأساليب الاستهلاك، ولا عجب فهو موسم التباري بين النجوم والأيقونات والأساطير بالعالم.
وهي مبارزة لا تقتصر على المال المادي ولا على رأس المال الرمزي، بل تقوم كل تلك الصرعات بإيصال رسائل مضاعفةٍ للبشرية لتبليغ الناس بالمستوى الذي وصل إليه الإنسان في سبيل شرح مستوى تلذذه بأملاكه وأشيائه وبأسلوب استعراض حياته.
إنها إلى حدٍّ كبير تذكّر بمقالة: «الخياطة الرفيعة، والثقافة الرفيعة» للفيلسوف بيير بورديو المهتم هو الآخر بالموضة وتحوّلاتها، إذ يعتبر أن عنوان مقالته هذه ليس مزحةً بل يقول: «سأحاول حقاً أن أتحدث عن العلاقة بين الخياطة الرفيعة والثقافة. إن الموضة موضوع يحظى بالأفضلية في التقليد السوسيولوجي بقدرِ ما هو موضوع نزق في الظاهر، إن تراتب موضوعات البحث هو من أكثر الموضوعاتِ أهميةً في علم اجتماع المعرفة فأحد المنافذ التي تمارس بواسطتها الرقابة الاجتماعية هو بالضبط هذه التراتبية للموضوعاتِ منظوراً إليها من حيث هي صالحة أو غير صالحة لأن تكون موضوعاتٍ مدروسة».
برأيي أنه وبالنظر إلى ما كتبه الفلاسفة فإن جماعَ ذلك يمكن جمعه ضمن مقولاتٍ منتظمةٍ منها أن الموضات التي يفجّرها الإنسان كل بضع سنين إنما تأتي ضمن حيويّته الدنيوية التي يريدها أن تكون معيارية في العلاقة مع الآخر، وآية ذلك أن الأخبار في هذا الصيف تتحدّث عن تحوّل في أسلوب الاستعراض والاستهلاك عنه في المواسم السابقة؛ لكأن الحالة الاستهلاكيّة تستنفد طاقتها هرباً من الاستهلاك التقليدي، وذلك له مسببات منها، الملل من نمط الاستعراض القديم القائم على ما يسمّيه بودريار بـ:«شراء معاني الأشياء» والتوجّه إلى ما أفضّل تسميته بتنويع حالات الإبهار بغية التباهي بالاستغناء الذاتي، أو «التبسّط المتكلّف»، وهذا برأيي غرور متضخّم يتجاوز في معانيه التباهي العنيف الذي اعتاد عليه الناس من المشاهير والنجوم طوال السنين، وهذا يبدو لنا في الظهور الذي يبدو للناس بسيطاً، بينما في لبّه وعمقه هو تباهٍ مخيف في معانيه وموغل في رسائله الفوقيّة ومتجاوز لنمط الاستعلاء القديم، وهذا هو طوْر الموضة الحاليّة أن يبدو النجم وقد ملّ «ظاهرياً» من صرعات الموضة وعبوديته لها، بينما في الواقع فإنه انتقل معها إلى رحلةٍ تبدو متواضعة وقريبة من الناس، ولكن الحقّ أنها بعيدة كل البعد عنهم وعن الحياة «العاديّة».
الخلاصة؛ أن المواسم تحمل معها صرعاتها الجماليّة والفكرية وأنماطها الاستهلاكيّة، وبرغم المحاولات الحثيثة من قبل النجوم والأيقونات بغية الخروج من النظرة التقليدية لهم فإن كل محاولات التغيّر والتجاوز لعبودية الموضة تبوء دوماً بالفشل الذريع. إن الاعتياد على النمط الاستهلاكي يجعل الإنسان أسيراً وسجيناً مهما حاول التخلّص من إحباطات التشبّع من الحياة بغية مشاركة الناس لبساطتهم ولدنياهم، وأكبر مثالٍ على ذلك أن موجة «محاولة التبسط» التي ركبها النجوم منذ بضع سنين لم يكتب لها النجاح لأن «عقدة الاستهلاك» هي المحرّك الأساسي لشكل حياتهم ولنظام دنياهم.
