حروب ثلاث تخوضها إسرائيل بأشكال ودرجات مختلفة من العمليات العسكرية والأمنية «وصيغ» مختلفة من الخطاب السياسي «التبريري»، خاصة في ظل الهيمنة الكلية لمنطق اليمين الديني والاستراتيجي المتشدد في الحياة السياسية في إسرائيل، في السلطة وخارجها.
في غزة ما زالت الشروط الإسرائيلية تعرقل محاولات تثبيت التهدئة والانتقال الفعلي إلى تنفيذ «خريطة الطريق» التي يشرف عليها «مجلس السلام» الذي شكل لهذه الغاية. الفيتو الإسرائيلي المعرقل يحمل عنوان نزع سلاح «حماس» كلياً قبل الولوج في هذا المسار. في لبنان ما زالت العمليات العسكرية مستمرة ولو محددة حتى الآن في الجغرافيا تحت عنوان قوامه التفاوض على الأرض لتحقيق الشروط الإسرائيلية، أو تحديداً الأولويات الإسرائيلية في التفاوض حول الطاولة.
في الضفة الغربية انطلق بقوة مسار التهويد، وبشكل خاص منذ شهر يوليو (تموز) الماضي، تهويد الجغرافيا والديموغرافيا عبر السيطرة على الأراضي وإنشاء الطرق والعوائق المادية وقطع المياه لخنق الاقتصاد الفلسطيني وتعزيز الظروف والمعطيات الضاغطة، وبالتالي الطاردة للفلسطينيين من أرضهم. تهويد بوسائل عنفية وغير قانونية بالطبع يندرج كلياً في أهداف عقائدية واستراتيجية، تحت عنوان إقامة إسرائيل الكبرى. سياسة تعزيز الاستيطان عبر إقامة بؤر استيطانية جديدة أو توسيع أخرى قائمة وتمكين المستوطنين من خلال التسلح، ضمن مبررات مختلفة لإحكام سيطرتهم على مناطق جديدة، وفي ظل خطاب رسمي حكومي، وإجراءات على الأرض، تبرر، لا بل تشجع المستوطنين على إكمال مهمتهم «المقدسة».
تصريحات إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي تأتي بمثابة تأكيد آخر على التحول الكبير والعلني نحو الإسراع في عملية ضم الضفة الغربية. وقد شاهدنا من قبل ونشاهد اليوم ما تقوم به إسرائيل أيضاً في السياق ذاته في القدس الشرقية. وللتذكير يبلغ عدد سكان الضفة الغربية، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (عام 2024) نحو 5.3 مليون، منهم نحو نصف مليون مستوطن. سياسة إسرائيلية واضحة وناشطة تقابلها مواقف دولية متى وجدت، خافتة أو محدودة وقليلة في أي حال. سياسة تهدف أيضاً إلى «قتل» إمكانية التوصل إلى تسوية شاملة ودائمة وعادلة تقوم على حل الدولتين. والجدير بالذكر أنه رغم الصعوبات والعراقيل الإسرائيلية الجمة، كما أشرنا أمام هذا الحل، لكنه يبقى الحل الوحيد الشرعي والقانوني والواقعي للتسوية المنشودة والمطلوبة. يؤكد على ذلك القرارات الدولية ذات الصلة والاعتراف الدولي المتزايد بحل الدولتين. إن المطلوب اليوم قبل الغد تحرك عربي دولي فاعل لوقف هذه السياسة الإسرائيلية، والمتزايدة نشاطاً عشية الانتخابات النيابية القادمة كورقة أساسية في لعبة التنافس بين مختلف الأطراف السياسية الإسرائيلية الرئيسية التي تتفق على الهدف ذاته.
ومن نافل القول إن الأطراف والقوى الدولية المؤثرة والمعنية بالاستقرار في المنطقة قادرة إذا ما رغبت في استعمال أوراق الضغط العديدة والفعالة التي تملكها، ومن ضمنها علاقاتها المختلفة مع إسرائيل، من الأمن إلى السياسة إلى الاقتصاد، وذلك استناداً أيضاً إلى القرارات الدولية ذات الصلة كما أشرنا سابقاً، لفرض وقف كلي لسياسة تهويد الضفة الغربية وطرد أهلها في إطار استكمال إقامة إسرائيل الكبرى. إن الاكتفاء بإدانة أو مناشدة خجولة والبقاء في موقف المتفرج سيؤدي إلى مساعدة إسرائيل بشكل غير مباشر لخلق ما تهدف إليه من وضع جديد يوظف في استراتيجية قيام «إسرائيل الكبرى». وضع ستكون له انعكاساته وتردداته الخطيرة على دول الجوار وعلى المنطقة كلها وعلى مصالح، كما أشرنا، القوى الدولية المعنية، ولو اختلفت الأولويات فيما بينها حول الاستفادة من الاستقرار الإقليمي المطلوب، في مرحلة يعيش فيها الإقليم الشرق أوسطي تحولات حاملة لتحديات كبيرة.
خلاصة الأمر أن الاستمرار في موقف المتفرج سيساهم دون شك في تصعيد التوتر في المنطقة بسبب الترابط، والتوظيف المباشر وغير المباشر، بين الملفات الساخنة مما يخدم التطرف وغياب الاستقرار، ويعزز قيام «نظام إقليمي فوضوي» يدفع الجميع ثمنه في أوقات وأشكال مختلفة. إن هنالك مسؤولية دولية أساساً ومعها دون شك مسؤولية عربية للعمل على وقف الذهاب نحو المجهول/المعلوم.
