وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام الصحافيين ليقول عبارة غير مألوفة بين دولتين تتشاركان أطول حدود غير محروسة في العالم: «أنت في حرب حين تُهاجَم، ونحن هوجمنا»، جاء ذلك بعد ساعات من انهيار المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة قبيل منتصف ليل الجمعة، ودخول رسوم أميركية بنسبة 50 في المائة على سلع كندية قيمتها نحو 20 مليار دولار حيز التنفيذ، ووصف كارني ما عُرض على بلاده بأنه «صفقة سيئة» وأن واشنطن «طلبت الكثير وقدمت القليل»، وأعلن أن كندا سترد «دولاراً بدولار» ابتداءً من الثامن من سبتمبر (أيلول)، والسؤال الذي يستحق التأمل هنا ليس من أخطأ في التفاوض، بل ما الذي يجعل اقتصاداً صناعياً متقدماً عضواً في مجموعة السبع بهذه الهشاشة أمام قرار يُتخذ في عاصمة جاره؟
والجواب يكمن في الرقم واحد، فكندا تبيع نحو ثلاثة أرباع صادراتها إلى سوق واحدة، وبلغت التجارة بين البلدين نحو 716 مليار دولار العام الماضي، وترسل كندا إلى جارها الجنوبي أكثر من 4 ملايين برميل نفط يومياً تمثل نحو 60 في المائة من واردات أميركا النفطية، وهذا التركّز لم ينشأ عن سوء تخطيط، بل هو نتيجة طبيعية للجغرافيا وانخفاض تكلفة النقل وتكامل خطوط الإنتاج عبر الحدود على مدى عقود، فالمصنع في أونتاريو والمصنع في ميشيغان جزآن من سلسلة إنتاجية واحدة، وهو ما جعل التكامل يبدو طوال هذه العقود إنجازاً لا مخاطرة.
لكن التركّز يتحول إلى ورقة ضغط حين يقرر الطرف الأكبر استخدامه، وقد استندت واشنطن هذه المرة إلى المادة 338 من قانون التعريفات لعام 1930، وهي مادة لم يستخدمها أي رئيس أميركي طوال 96 عاماً، وتتيح فرض رسوم تصل إلى 50 في المائة على دولة تعامل السلع الأميركية معاملة تمييزية، واللافت أن قائمة المطالب الأميركية ظلت تتوسع خلال التفاوض، فبدأت من ملف مخدر «الفنتانيل»، ثم انتقلت إلى حصص الجبن وحظر المقاطعات الكندية لبيع الكحول الأميركي، وانتهت في الساعة الأخيرة إلى قيود على قدرة كندا نفسها على إبرام اتفاقيات تجارية مع دول أخرى، وهي دلالة أنه حين يكون الشريك واحداً، تصبح كل قائمة مطالب قابلة للتوسيع.
وتكلفة الجار الواحد هنا ليست نظرية، ففي قطاع الأخشاب الكندي الذي تبلغ قيمته نحو 87 مليار دولار كندي ويوفر 200 ألف وظيفة مباشرة، رفعت وزارة التجارة الأميركية رسوم الإغراق والتعويض إلى 35 في المائة بعد أن كانت نحو 14.5 في المائة، فأغلقت مناشر أبوابها، وخفّضت شركات كبرى إنتاجها، ويقول أحد أصحاب المناشر في كندا إن ما كان يصدّره إلى السوق الأميركية تراجع من 40 في المائة من إنتاجه إلى 10 في المائة، ويأتي هذا كله على خلفية اقتصاد دخل ركوداً في الربع الأول من هذا العام بانكماش سنوي بلغ 0.1 في المائة مقابل توقعات بنمو تجاوزت 1.5 في المائة، وللإنصاف، فإن للجانب الأميركي حجته، فالمقاطعات الكندية سحبت المشروبات الأميركية من رفوفها، وفرضت رسوماً على السيارات الأميركية، ويرى قطاع صناعة الأخشاب الأميركية أن المنتج الكندي يستفيد من رسوم قطع أشجار منخفضة على أراضٍ حكومية.
وأمام هذا كله، تحاول كندا الفكاك، فقد أعلنت خططاً لأنبوب نفطي يتجاوز طوله ألف كيلومتر إلى الساحل الغربي لنقل مليون برميل يومياً إلى آسيا، ومضاعفة إنتاج الغاز المسال ثلاث مرات، وتطوير ميناء فانكوفر، ضمن حزمة قدّرها كارني بأكثر من 200 مليار دولار كندي، مع وعد بمضاعفة التجارة غير الأميركية، والأرقام تشير إلى أن الاتجاه بدأ فعلاً، فحصة الولايات المتحدة من الصادرات الكندية هبطت من نحو 76 في المائة إلى 69 في المائة خلال عام.
لكن التنويع أصعب مما توحي به هذه الأرقام، فكندا تملك 15 اتفاقية تجارة حرة تغطي 51 دولة، ومع ذلك بقيت الحصة الأميركية مهيمنة، وهو ما يلخصه الاقتصادي بول كروغمان بعبارة مفادها أن كندا أقرب إلى الولايات المتحدة منها إلى نفسها، ثم إن تنويع الأسواق سبق تنويع المنتجات، فحصة الطاقة من الصادرات الكندية ارتفعت من 13 في المائة عام 2000 إلى 25 في المائة، أي إن الاقتصاد بات أكثر اعتماداً على سلعة واحدة بينما يوزّع أسواقه، أما تكلفة الأنبوب الجديد وما يرتبط به من توسعة في الرمال النفطية فقد تصل إلى 100 مليار دولار، وتواجه معارضة من السكان الأصليين ومن جماعات بيئية.
إن الدرس الذي تتعرض له كندا الآن يستحق التأمل، فتنويع الشركاء التجاريين ليس ترفاً استراتيجياً ولا شعاراً في وثائق التخطيط، بل هو تأمين على استقلال القرار الوطني، وثمنه يُدفع مقدماً في أوقات الرخاء حين تكون العلاقات جيدة والتكامل مربحاً والحاجة إلى التغيير غير ملحّة، لا في أوقات الأزمة، لأن من يبدأ التنويع تحت الضغط يبدأه من موقع ضعف، ويدفع تكلفته مرتين، مرة في بناء الأسواق البديلة، ومرة في التنازلات التي يقدمها حتى تكتمل تلك الأسواق.
