فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي. ألف عدداً من الكتب خصوصاً في مجال الفلسفة، بينها "الفلسفة الحرام" و"نقد خطاب السعادة".
TT

هل للحداثة أن تتوسَّط سياسياً؟

استمع إلى المقالة

لطالما شقّت الحداثة طريقَها النظري مؤثِّرة ومتأثرة بين العلوم، من دون أن يتبدّى لها أي بوادر توسّط سياسي كبير بين أقطاب الخصومات الحضارية، ولا بين أرباب النزاعات السياسية الكبرى العالقة.

لقد لزِمتْ غرزها النظري الأكاديمي البحت، وما كانت ملحاحة على الدخول في آليات التفاوض بين الأمم المتناحرة، والعقائد المتوثّبة بعضها ضد بعض، لذلك بقيت مهمّشة في المجال السياسي، إلا بما يُستدْعى منها ضمن ظروفها وإمكاناتها.

غير أن بعض الفلاسفة حاولوا تحريض الحداثة على القيام بأدوارٍ أكبر، ومن أولئك آلان تورين في كتابه: «براديغما جديدة لفهم عالم اليوم».

والتبويب الأساسي لهذه النظريّة انطلق من أن عالم العنف السياسي المنظّم لم يعد عالماً اجتماعياً، فلقد وُلِدت الدول الحديثة من خلال الحروب، وليس من وظيفة سياسية ولا اجتماعية للصراعات الراهنة. بعبارة أخرى: لم تعد الحرب هي الوجه الآخر للصراع الاجتماعي. هذه الملاحظة في مقدمة الكتاب أتْبَعها بأخرى مفادها أن «انهيار العالم» الذي سمّيناه اجتماعياً وزواله، وهو حكمٌ لا يفاجئنا ما دام ملايين الناس يعربون عن أسفهم لانقطاع الروابط الاجتماعية وانتصار فردانية مفككة، ينبغي القول بتقوّض المقولات الاجتماعية كلها كنقطة انطلاقٍ للتحليل، بدءاً بالطبقات والحركات الاجتماعية، وانتهاءً بالمؤسسات أو «وكالات التنشئة الاجتماعية».

من هذه الأفكار التمهيديّة يمكننا التقاط الوثبة التي ينوي القيام بها آلان تورين، ألا وهي توسيع وظيفة الحداثة لتشمل التدخّل بما هو أكبر من وظيفتها التقليدية، ولكنّه لم يستعجل على ذلك؛ بل نرصده في الثلث الأخير من الكتاب، وهو يقول ضمن فقرة «عودة إلى الأفكار الجديدة»: «إن التواصل لا ينشأ بين الثقافات؛ بل بين حقباتٍ تاريخية يتعيّن تحديدها بالنظر إلى علاقتها بالحداثة من جهة، وإلى نوعيّة الطريق التي تسلكه إلى الحداثة من جهة أخرى. إن التذكير بضرورة المعرفة واستخدام التكنولوجيات المعقّدة يندرج ضمن إطار وجهة نظر تتعلق بالعلاقة مع الحداثة، في حين أن تحليل علاقات الهيمنة يتحدد ضمن وجهات نظر ترسم أشكال التطوّر، أما معرفة أشكال تفكك النموذج الكلاسيكي الأوروبي للتحديث، ونتائج هذا التفكك، وإمكانات إعادة تكوين صور أخرى للتحديث عبر الانتقال إلى مجتمع الإعلام؛ بل وإلى ما أسميه المجتمع (ما بعد الاجتماعي)؛ فإنها هنا تتخطى ما ذكرنا لتدخل في باب تحولات أشكال التطوّر وبالتالي التحديث». (هذا عرض مختصر للصفحات من 308).

من هنا، فإن ما يؤكد عليه تورين يتمثّل في احتمال قدرة الحداثة على سدّ الهوّة بين المجال العام والتصدّع النظري الذي انتاب المقولات الحضارية، بدءاً من حالات الصراع إلى الحروب، وليس انتهاءً بحالات التنافي العرقية في الشرق والغرب. إنه يرى وببساطة قدرة الحداثة على تنشئة حيلة نظريّة قويّة يمكن للسياسيين والمفكّرين الاستعانة بها وتطبيقها في النقاشات والمحاورات العمومية، وتضمينها ملفّات التفاوض.

الخلاصة؛ أن فكّ شيفرة تحليل آلان تورين تعني بالضرورة أن الحداثة يمكنها أن تتوسّط سياسياً، وهذا الدور لم تلعبه من قبل بمفهومها النظري، صحيحٌ أن الحداثة أسهمتْ برتوشٍ قليلة في بعض المنعطفات، ولكن أن يصل بنا المطاف إلى رسمِ مسارٍ متفائل أكثر راهنيّة وجدية على نتائجها واحتمالات توسّطها، فإن ذلك يعني أمرين؛ الأول: أن الحداثة لم تمت، وإن حاول البعض تهميشها ووضعها على الرف بوصفها جزءاً من المنجز النظري التاريخي. والثاني: أنَّ الحداثة قادرة على تجديد بنائها المفهومي المتجدد باستمرار، والذي يفاجئ الفلاسفة قبل الأكاديميين الخُلّص، ولذلك فإنَّ وساطة الحداثة سياسياً أمرٌ ليس مستحيلاً؛ بل ممكن التصوّر، وبخاصة مع كل هذا التطوّر الذي نعيشه، وهو المشمولُ بدور الحداثة التاريخي، وإن حاول البعض ترسيخ «القطيعة» بين تطوّر العلوم الحاليّة، والإطار الحداثي النظري الذي عاشه العالم، أقلّه خلال القرون الثلاثة الأخيرة.