د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

معركة السياسات الرقمية المُقبلة

استمع إلى المقالة

يوم الجمعة الماضي، توفَّر لدينا برهان ناصع جديد على صعوبة تنظيم المجال الرقمي العالمي، وعلى مدى التعقيد الذي يعتريه، ويجعل من كل خطوة قانونية أو تنظيمية فيه محاولة لإحداث توازن صعب بين متطلبات كثيرة تحظى بقدر من التوافق العالمي كبير.

فقد أصدر «المجلس الدستوري الفرنسي» (أعلى هيئة قانونية في البلاد) قراراً بإبطال القانون الذي كان يحظر على من هم دون سن الخامسة عشرة استخدام وسائل «التواصل الاجتماعي»، ليكشف أن المعركة المقبلة حول الفضاء الرقمي لن تدور فقط حول حماية الأطفال من أضرار المنصات، وإنما حول سؤال أكثر عمقاً: كم ينبغي أن تعرف المنصّة عن المُستخدم كي تسمح له بالولوج إليها؟

لم يرفض المجلس مبدأ حماية القاصرين، ولم يقل إن تنظيم وصولهم إلى الشبكات الاجتماعية غير مشروع في حد ذاته، وإنما رأى أن الصيغة التي اعتمدها المُشَرِّع الفرنسي تفرض قيوداً غير متناسبة على حرية التعبير والاتصال، وأنها لم تضع الضمانات القانونية الكافية المتعلقة بالتحقق من الأعمار وحماية الخصوصية.

وكان من أبرز وجوه هذا الإشكال أن تطبيق الحظر يقتضي عملياً التحقق من عمر كل مُستخدم، لأن المنصة لا تستطيع أن تعرف أن المُستخدم طفل إلا إذا توثّقت من عمره أولاً. وهنا ينفتح الباب على سؤال بالغ الحساسية: هل نريد «إنترنت» لا يسمح لأحد بالدخول إليه إلا بعد أن يكشف هويته؟

لقد استقبل كثيرون التشريع الفرنسي الرامي إلى منع استخدام القاصرين لمنصات «التواصل» بكثير من الاستبشار، وعندما بدأت دول أخرى تنهج النهج نفسه؛ مثل أستراليا وبريطانيا، كان ذلك أمراً مثيراً للإعجاب كذلك، بالنظر إلى المخاطر المُثبتة لاستخدام تلك المنصات على الأصغر سناً في مختلف المجتمعات، ومع ذلك، فإن الأمر بدا أكثر تعقيداً مما يُظن.

يضع قرار «المجلس الدستوري الفرنسي» حداً فاصلاً بين فكرتين تبدوان متشابهتين، ولكنهما مختلفتان جذرياً. الأولى هي معرفة الهوية. وفيها تقول المنصة: أعطني اسمك الحقيقي وبياناتك الشخصية ودليلاً على شخصيتك، وسأقرّر ما الذي يمكنك الوصول إليه. أما الثانية، فهي قدرة المنصة على التحقّق من معيار مُحدد. وفيها لا تحتاج المنصة إلى أن تعرف من أنت، وإنما تحتاج فقط إلى أن تعرف أنك تستوفي شرطاً معيناً؛ مثل أنك تجاوزت الخامسة عشرة مثلاً، أو أنك قادر على الوصول إلى خدمة معينة. الفارق بين الحالتين ليس تقنياً فحسب، بل هو فارق في فلسفة العلاقة بين المُستخدم والمنصة. ففي الأولى تصبح الهوية مدخلاً دائماً إلى الحياة الرقمية، وفي الثانية يصبح التحقق إجراء محدوداً مرتبطاً بغرض مُحدد. ولهذا تبدو التجربة الأوروبية الراهنة شديدة الدلالة. فالجهات الأوروبية المعنية بحماية البيانات تؤكد أن التحقق من العمر يمكن أن يكون مشروعاً حين يكون ضرورياً ومتناسباً، لكنه ينبغي أن يلتزم بمبادئ تقليل البيانات وحماية الخصوصية.

إنها محاولة للخروج من الثنائية الساذجة التي تقول إما أن نترك الأطفال مكشوفين أمام المنصات، وإما أن نجعل كل مستخدم مكشوف الهوية. فالبديل الثالث ممكن؛ ويكمن في حماية الفئات الهشة عبر التحقق من الخصائص اللازمة فقط مع إبقاء بقية البيانات خارج متناول المنصة. فقد يكون المُستخدم في حاجة إلى إثبات أنه فوق الخامسة عشرة، لكنه ليس في حاجة إلى أن يُسلِّم المنصة اسمه وعنوانه ورقم هويته وتاريخ ميلاده.

وهنا يبدأ جدال دولي مُرشح لأن يصبح واحداً من أهم جدالات السياسات الرقمية في السنوات المُقبلة. فمع تصاعد المخاوف من المحتوى الضار والتنمّر والاستدراج والإعلانات الموجّهة والتصميمات التي تستهدف إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن، ستطالب الحكومات بمزيد من القدرة على التحقق من أعمار المستخدمين وهوياتهم. وستردّ شركات التكنولوجيا بأن أنظمة التحقق الواسعة قد تخلق مخاطر جديدة تتعلق بتسريب البيانات والقرصنة والمراقبة التجارية. وسيأتي المدافعون عن الحريات ليطرحوا سؤالاً أشد صعوبة: ماذا يحدث للتعبير المُتخفي بغرض الحماية، وللمصادر الصحافية المُجهَّلة، وللمُبلِّغين عن المخالفات، وللمواطن الذي يريد أن يناقش قضية عامة من دون أن تتحول آراؤه إلى ملف دائم مرتبط بهويته المدنية؟

لذلك، ينبغي أن تتجه التشريعات إلى مبدأ أبسط وأكثر انضباطاً؛ يعتمد على التحقّق مما تحتاج إليه المنصات، وليس على جمع كل ما يمكنها جمعه من بيانات. فإذا كان المطلوب إثبات السن، فليكن التحقق من السن كافياً. وإذا كان المطلوب منع إنشاء حسابات آلية أو احتيالية، فليكن التحقق متناسباً مع هذا الغرض. وإذا احتاجت السلطات إلى معرفة هوية مستخدم في قضية جنائية، فليكن ذلك من خلال إجراء قانوني مُحدد، لا من خلال امتلاك كل منصة سجل هوية شامل لكل مُستخدم.