سام منسى
إعلامي لبناني قدم لعدة سنوات برنامجا حواريا سياسيا في قناة الحرة. المدير العام لإذاعة "صوت لبنان" سابقا والمدير التنفيذي السابق لـ"بيت المستقبل"، وكاتب عمود في "الشرق الأوسط". مهتم بجمع ومعالجة البيانات المتعلقة بشؤون الشرق الأوسط، خصوصاً الجوانب السياسية والاجتماعية للتنمية العربية.
TT

سياسة عدم اليقين... الحرب واللاحرب

استمع إلى المقالة

شكَّل عدم القدرة على التنبؤ جزءاً أساسياً من أسلوب دونالد ترمب في إدارة السياسة الخارجية؛ فالرئيس الأميركي يرفع سقف التهديد، ويدفع الخصم إلى الاعتقاد بأنه مستعد للذهاب إلى أبعد مما يتوقَّع، ثم يفتح باب التفاوض أو يتراجع عن التصعيد عندما يعتقد أن ذلك يخدم ما يسعى إليه.

وقد منحه هذا الأسلوب في أحيان كثيرة ميزة تفاوضية، لكنه يطرح اليوم سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما لا يعود الخصوم وحدهم عاجزين عن توقع الخطوة الأميركية التالية، بل يصبح الحلفاء كذلك؟

لا تنفصل هذه الحالة المستجدة عن تحوُّل أوسع في السياسة الخارجية الأميركية سبق ترمب، يقوم على إعادة النظر في حجم الالتزامات الخارجية ومطالبة الحلفاء بتحمل قدر أكبر من أعباء أمنهم. لكن ترمب دفع هذا التحول إلى مدى أبعد، وأضاف إليه قدراً أكبر من التقلُّب في إدارة الأزمات والتحالفات، ما يجعل التمييز ضرورياً بين اتجاه أوسع في السياسة الأميركية والأسلوب الذي يدير به الرئيس هذا التحول.

وتكشف الحرب مع إيران بوضوح هذه المعضلة. فخلال الفترة الأخيرة، انتقلت الإدارة الأميركية مراراً بين التهديد بتصعيد عسكري واسع ومنح الدبلوماسية فرصة جديدة. وهنا يظهر الفارق بين الغموض الاستراتيجي والتقلُّب في السياسة. فالأول قد يكون أداة قوة عندما تكون الأهداف والالتزامات الأساسية واضحة، فيما تبقى الوسائل والتوقيت وحدود استخدام القوة غير متوقَّعة، بما يدفع الخصم إلى أخذ أسوأ الاحتمالات في الحسبان. أما عندما يصعب تحديد ما إذا كان التهديد والتراجع عنه مجرد تكتيك أم يعكسان تغيراً في الأهداف، فإن عدم اليقين لا يعود مقتصراً على الوسائل، بل يمتد إلى اتجاه السياسة نفسها، وقد يتحول من أداة لإرباك الخصم إلى مصدر قلق للحليف.

وتختلف آثار هذا النهج على الخصوم والحلفاء؛ فإيران تستطيع التعامل مع عدم اليقين الأميركي باعتباره جزءاً من المواجهة، ومحاولة اختبار حدود التهديد والتكيف معها.

أما الحلفاء، فيحتاجون إلى قدر من اليقين بشأن السياسة الأميركية لبناء حساباتهم الأمنية.

ففي أوروبا، يثير عدم اليقين بشأن استمرارية الالتزام الأميركي ضغوطاً لتعزيز القدرات الدفاعية وتقليص الاعتماد على واشنطن.

ولا تنتج هذه المخاوف الاستجابة نفسها لدى جميع الحلفاء. فأوروبا تسعى إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، فيما تتجه دول الخليج إلى بناء قدراتها الذاتية وتنويع شراكاتها الأمنية.

أما إسرائيل، فتسعى إلى الحفاظ على هامش واسع لحرية حركتها العسكرية، بالتوازي مع التأثير في القرار الأميركي، بما يقلل الفجوة بين حساباتها الأمنية وأولويات واشنطن.

قد يرى ترمب في هذا الاتجاه دليلاً على نجاح سياسته؛ إذ ينسجم سعي الحلفاء إلى بناء قدراتهم وتوسيع شراكاتهم مع هدف إعادة توزيع أعباء الأمن. لكن المفارقة تبدأ عندما يتحول تقاسم الأعباء إلى تحوُّط من السياسة الأميركية نفسها، فأن يبني الحليف قدراته لتقاسم العبء مع واشنطن يختلف عن أن يفعل ذلك لتقليل حاجته إليها إذا تغيرت سياستها. وهكذا، قد تحصل واشنطن على حلفاء أكثر قدرة وأقل اعتماداً عليها، لكنهم أكثر استقلالاً عنها وقدرة على اتخاذ خيارات لا تتطابق بالضرورة مع خياراتها.

والتحدي الأعمق يكمن في فعالية هذه السياسة؛ فعدم القدرة على التنبؤ قد يمنح واشنطن هامشاً للمناورة، ما دام جزءاً من استراتيجية واضحة، لكن تكرار النمط نفسه من دون أن يقود إلى هدف استراتيجي واضح، قد يفقد القدرة على المفاجأة والردع، ويمنح الخصم فرصة للتكيُّف معه، فيما يترك الحلفاء أمام قدر أكبر من عدم اليقين بشأن اتجاه السياسة الأميركية.

فالقوة الأميركية لا تستند إلى التفوق العسكري وحده، بل أيضاً إلى صدقية التزاماتها وتحالفاتها. والتحدي هو إبقاء الخصوم غير واثقين بوسائل واشنطن، من دون أن يصبح حلفاؤها غير واثقين من استراتيجيتها. فإذا أصبح التكتيك متوقعاً والاستراتيجية غامضة؛ فقد تفقد سياسة عدم اليقين ميزتها لدى الخصوم والحلفاء معاً.