عبد الله الغذامي
كاتب سعودي
TT

الذكاء الشيطاني... بشرياً كان أو اصطناعيّاً

استمع إلى المقالة

هناك ذكاء شيطاني بمثل ما هناك ذكاء خيراني، والشيطانية سمةٌ لازمةٌ لكل سلوك بشري وبمقدار ما في البشر من خيرٍ فإن فيهم شروراً، والمحزن أنّ شيطانيّة العقل البشري هي أعلى درجات الشيطنة، فهذا العقل ينتج نظريات كبرى بمثل ما يصنع حروباً عظمى. وأي منتج بشري سيكون أيضاً بهذه السمات بما في ذلك الذكاء الاصطناعي من حيث هو منتجٌ بشريٌّ فيه ما في البشر من خير أو شر. وحديثي هنا عن الشر الذي يلحق بالنظرية النقدية التي هي بضاعتي ومهنتي، وهي من أهم منتجات العقل البشري منذ أفلاطون وأرسطو حتى اليوم. وقد شهدتُ في هذا الخصوص ما يخيف حقاً، ويهدد مصير شرف العمل في النظريات، وكان الظن سابقاً أن النظرية تحمي نفسها من العبث بها من حيث هي منشطٌ فلسفي نقدي ومنهجي وتحتاج لمهارةٍ عالية وتبصر دقيق بموروث مهولٍ تكوّن عبر قرون وكله موثق ومعلوم لكل ذي اهتمام بالنظريات. غير أن تجربةً أجراها العزيز ياسر الجلال وفاجأني بها كشفت حدة الموقف، إذ طرح على الذكاء الاصطناعي طلبين؛ الأول هو: اكتب مقالاً نقدياً سلبياً لكتاب «الخطيئة والتكفير» للغذامي، والثاني: اكتب مقالاً نقدياً إيجابياً عن كتاب «الخطيئة والتكفير» للغذامي.

وتفاجأت حين أرسل لي الجوابين وطلب رأيي فيهما، وقد هالني ما رأيت، فالكلام فيهما معاً كله وبدون استثناء هو كلام مر علي من قبل وعلى مدى أربعة عقود من صدور كتابي عام 1985، وكانت ردود الفعل عليه ابتداءً صاخبةً ومتوترةً، وفي الإجابة الأولى بما أنها مطلوبٌ أن تكون سلبيةً رأيت السلبيات التي أحاطت بردود الفعل على كتابي ورأيتها بصيغة رفيعة أسلوباً ومتانةً علميةً تجعل كل من يقرؤها يجزم بعلميتها وبعلمية من كتبها. ولكن الحال تنقلب انقلاباً كاملاً مع الإجابة الثانية الموصوفة بالإيجابية، رأيت كل ما قيل عن كتابي من نقد إيجابي وحكم علمي متوازن وبمستوى الجودة نفسها والدقة نفسها، كما في الجواب السلبي. فاقترحت على ياسر أن يكتب طلباّ محدداّ عن مصطلحٍ محدد هو «ما مفهوم التشريحية عند الغذامي»، فجاء الجواب دقيقاً وعلمياً بدرجة عالية وبأسلوب غاية في الإتقان، وكل هذه الإجابات تمت بدقائق.

هنا يحضر الشيطان، فالكتابة علميةٌ وراقيةٌ، ومن ثم ستكون مقنعةً في كل حالة من حالاتها الثلاث، ولن يتردد أي أستاذ في النظريات في تقبلها لو قدمت له في بحث من أحد تلاميذه، شرط ألا يكون ممن تابعوا قصص كتابي مع ردود الفعل عليه على مدى عقود، وهذا افتراض يكاد يكون محالاً فقد يسهل عليّ تذكر ما قيل عن كتبي وأطروحاتي إيجاباً أو سلباً، لكن لا يمكن تصور معرفة الآخرين بكل ما قيل عن غيرهم. وهنا نحن اليوم على مشارف معركةٍ علميةٍ ومنهجية مختلفة عن كل ما مر بنا من معارك، وهي معركة بين طرفين؛ أحدهما البحث العلمي كما عرفته البشرية على مر القرون. والثاني هو الشغف البشري بالإنجاز السريع والمتقن. لكن الأول يحتاج لوقتٍ وجهد معمق، بينما الشغف العصري في الإنجازات السريعة يتهاون في شروط الجهد ويزعجه ثقل الوقت. ولذا يقع البحث العلمي اليوم في هذه الحالة الثقافية المخيفة فيما نسميه عصر السرعة حتى لقد أصبح التأني والتحقق والتدقيق من السلبيات لأنه يبطئ الحركة. ولذا فالباحث الشاب اليوم بين خيارين؛ أحدهما مر ومتعب، والآخر ميسور ومنجز. مما يعني أننا في حال تحول مصيري يتبدى حتمياً بسبب سرعة منجز الذكاء الاصطناعي وإغراءاته، وأهمها دقة المعطى وسهولته في آن.

على أن مواجهة الموجة بمجرد الاستنكار أو الوعظ ستكون مواجهةً عبثيةً، فالزمن عودنا أنه ينتصر للمستجدات ويعاند المقاومة. غير أن لنا حيلةً واحدةً تحافظ على شرف العلم، وذلك في امتحان المهارة الفردية، وليس ذلك بأمر صعب إن أعطيناه حقه في المواجهة المنهجية، وهي تلك التي واجه بها سقراط أثينا، حين تسلح بالسؤال بنية أن يكشف للحكيم أنه ليس حكيماً كما هي دعواه المعلنة، إذ عبر محاورة مدعي الحكمة وطرح الأسئلة الفاحصة عليه تتكشف عيوب الخطاب، ومن ثم تتكشف حال المدعي. ومنهجية سقراط تلك كانت تتقصد الحكماء في زمنه لتمتحن حكمتهم، وهل هي حكمة تصدر عن تجربة وتأمل ذاتي أم أنها محفوظاتٌ ومقولات ترسب حين المكاشفة. وكما كان سقراط يمتحن «حكمة الحكيم»، علينا اليوم أن نمتحن «بحثية الباحث»، بأن نثبت للباحث أنه ليس باحثاّ، ليس لغرض تدميري أو لسوء ظن، وإنما لهدفٍ نبيل كي نتأكد أنه باحثٌ بجهده وعقله، وليس صادراً عن ذكاءٍ مصطنع.

لهذا لا بد أن نغير استراتيجياتنا البحثية من «الاحتفال بالنتائج»، وهي التي كانت جوهر المعرفة في أذهاننا، إلى «التركيز على المهارات الفردية» تحديداً وحصراً. فالتدريب على مهارة التفكير وعلى المنطق التحليلي، ومهارة المعالجة الذاتية للأفكار، هي الشيء الوحيد الذي يمكننا التعويل عليه لنتأكد من أن الذي نراه باحث مدرب، وأن المنتج صادرٌ عن تفكير بشري. أي خلق الإشكالات العلمية وليس إتقان النتائج فحسب، مذ أن بطل سحر النتائج بما أن الذكاء الاصطناعي أسرعُ وأتقنُ في تحقيق نتائج بالغة الدقة لكنه ينهلها من مخازن المحتويات المتاحة له.

تظل العقبة الكبرى هي أن الإنسان نفسه يريد بصدقٍَ وتعمدٍ قطعي أن يمنح الآلة قدرات تفوق قدراته كإنسان، ويطرب لسهولة الأمر. لهذا الهدف يلزمنا إتقان صناعة السؤال الكاشف. ودون ذلك سنكون أمام كائن بشري مزور قادرٍ بغيره وليس بعقله.

خلاصة القول، إن فكرة الإشراف العلمي وفكرة مناقشات الأطروحات هي التي يجب أن تتغير لتنتهج النهج السقراطي الذي كشف حكماء عصره عبر فحص نجاعة أنظمتهم الفكرية لنمارس الآلية نفسها لتفحص «بحثية الباحث» وليس بحث الباحث.