د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

مرض عالمي يستشري في «السوشيال ميديا»

استمع إلى المقالة

لم تعد الإساءة والتنمُّر والكراهية على «الإنترنت» أفعالاً عابرة تنتهي بانتهاء لحظة النزق التي تحرك المُدوِّن؛ بل أصبحت صناعة كاملة لها جمهورها وحوافزها وخوارزمياتها. وما كانت المجتمعات تعرفه في الماضي بوصفه إساءة عابرة أو تنمراً محدوداً بين أفراد، صار اليوم قادراً على أن يتحول -خلال دقائق- إلى موجة جماعية تلاحق إنساناً أو طفلاً أو جماعة أو شخصية عامة، حتى أبواب البيت. ولهذا، فإن بعض الوقائع المتفرقة التي ظهرت العام الحالي، في دول كثيرة، لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حوادث منفصلة؛ بل بوصفها أعراضاً لمرض عالمي جديد يتفشى في المجال الرقمي.

في فرنسا، أُدين عشرة أشخاص بـ«التحرش الإلكتروني» بالسيدة بريجيت ماكرون، بعد نشر ادعاءات «كاذبة ومُسيئة» عنها. وفي كندا، أوقفت الشرطة مراهقاً على خلفية «إساءات» ضد شخص من ذوي الإعاقة جرى نشرها على «وسائل التواصل». وفي الولايات المتحدة، وُجِّه اتهام إلى رجل استخدم حسابات مزيفة وصوراً عارية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي في حملة مُلاحقة رقمية. وفي نيجيريا، اعتقلت الشرطة مؤثرة بتهم تتعلق بالتنمُّر الإلكتروني والتشهير ضد أصحاب أعمال. وفي جنوب أفريقيا، تدخل القضاء ضد شخصية إعلامية بعد نشر «ادعاءات تشهيرية» على «وسائل التواصل». وفي الهند نظرت المحاكم في قضية ضد مسؤول في «ميتا» بسبب محتوى وصف بأنه «مُسيء». وفي الجزائر، جاءت واقعة المُدوِّن الذي تنمَّر على طفلة -قبل أيام- لتُذكِّر بأن الطفل الذي كان يستطيع في الماضي أن يغلق باب غرفته أمام السخرية لا يستطيع اليوم إغلاق شاشات العالم كله. وفي مصر، تم توقيف مضيفة طيران تنمَّرت على أهالي إحدى محافظات الصعيد بعبارات «مُسيئة».

القاسم المشترك بين هذه الوقائع أن الوسيط الرقمي لم يعد مجرد ناقل للفعل المؤذي؛ إذ إنه يغير طبيعة الفعل نفسه. فالإهانة المنشورة لا تبقى بين شخصين، وإنما تدخل فوراً في شبكة من المشاهدات وإعادة النشر والتعليق والاقتطاع والتلاعب. وقد يصبح المعتدي أكثر جرأة؛ لأنه لا يرى وجه ضحيته ولا يسمع أنين انكسارها. المسافة الرقمية تخفف الإحساس بالمسؤولية، وتمنح القسوة ستاراً من الانفصال النفسي.

لكن المشكلة الأعمق أن المنصات لا تكافئ بالضرورة المحتوى الأكثر صدقاً أو أخلاقية، وإنما كثيراً ما تكافئ المحتوى الأكثر قدرة على جذب الانتباه. والغضب شديد الجاذبية. والسخرية أسرع انتشاراً من التفسير. والإهانة أكثر قدرة على إشعال التعليقات من الكلام المُتزن. وهكذا يجد المستخدم أمامه حافزاً غير معلَن: كلما كنتَ أكثر استفزازاً زادت فرص أن يراك الناس. وقد أظهرت بحوث حديثة أن التعليق العدواني يزيد احتمال أن يأتي التعليق التالي عدوانياً أيضاً، وأن السلوك السام يمكن أن ينتقل من مستخدم إلى آخر، مثل العدوى الاجتماعية.

لهذا، لا تكفي القوانين وحدها. القانون يستطيع أن يعاقب على الفعل بعد وقوعه؛ لكنه لا يستطيع أن يقف خلف كل شاشة قبل لحظة الضغط على زر النشر. كما أن الجريمة الرقمية عابرة للحدود وسريعة التحول ومتعددة الأشكال. وقد يكون المنشور في دولة، والضحية في دولة أخرى، والمنصة في دولة ثالثة، والبيانات مخزَّنة في دولة رابعة. وحتى حين تتوفر النصوص القانونية، فإن إثبات القصد والهوية والضرر وتحديد الاختصاص القضائي قد يجعل العدالة أبطأ من انتشار الإساءة.

ثم تأتي معضلة أخرى أكثر حساسية؛ وتتمثل في القدرة على حماية الناس من الأذى، من دون تحويل مكافحة الإساءة إلى ذريعة لخنق الرأي. فليس كل نقد تنمراً، وليس كل غضب كراهية، وليس كل رأي قاسٍ تشهيراً. ولذلك تحتاج المواجهة إلى معايير دقيقة تفرِّق بين الحق في التعبير وبين الاعتداء على الكرامة والخصوصية والسلامة الشخصية.

المطلوب إذن ليس تشديد العقوبات وحده، وإنما إعادة تصميم البيئة الرقمية نفسها. ينبغي للمنصات أن تجعل الإبلاغ عن الإساءة أسرع، وأن تمنح الضحايا أدوات حقيقية لإيقاف الانتشار، وأن تقلل المكافأة الخوارزمية للمحتوى الذي يثبُت أنه تحريضي أو مُهين.

وعلى المستخدم نفسه أن يتعلم قاعدة بسيطة؛ لكنها شديدة الأهمية؛ فليس كل ما يمكن نشره يستحق أن يُنشَر. التمهل قبل المشاركة، والتثبُّت قبل الاتهام، والامتناع عن إعادة تدوير الإهانة حتى في سياق إدانتها؛ خطوات صغيرة؛ لكنها تقطع سلسلة الانتشار. أما الأسرة والمدرسة ومنصات الإعلام، فعليها أن تنتقل من تعليم استخدام التكنولوجيا إلى تعليم أخلاق استخدامها.

لقد صنعت الوسائط الجديدة فضاءً هائلاً للحرية، ولكنها صنعت في الوقت نفسه سوقاً رابحة للغضب. فالمشكلة لم تعد أن بعض الناس سيئو السلوك على «الإنترنت»؛ بل إن بيئة كاملة تستطيع أحياناً أن تجعل السلوك السيئ مُربحاً ومُشهوراً... وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي للمنصات والقانون والمجتمع.