عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا براً وبحراً إلى سبتة فجروا أزمة متعددة الأوجه والأبعاد والترددات في أوروبا، وذلك رغم إعادة مجملهم إلى المغرب (قيل إن 70 ألفاً عادوا من 72 ألفاً وصلوا إلى سبتة). سبتة التي كانت من «أبواب» الهجرة إلى القارة القديمة. خرج الكثير من التفسيرات، وبعضها من النوع «التآمري» لما حدث. وتم احتواء ما كان يمكن أن يشكل عامل توتر في العلاقات الإسبانية - المغربية.
لكن ذلك لم يمنع كما أشرنا من تفجر حرب سياسية وعقائدية ضمن البيت الأوروبي، ومن إعطاء قوة دفع كبيرة لتيارات اليمين المتشدد في أوروبا بأنواعه كافة. إيطاليا والدنمارك طالبتا بتعليق عضوية إسبانيا في «اتفاقية شنغن» الخاصة بحرية التنقل بين الدول الموقعة على الاتفاقية في البيت الأوروبي.
على صعيد آخر قرر الاتحاد الأوروبي زيادة الدعم لإسبانيا لتعزيز أمن حدودها الخارجية. وإذا كانت الحرب الروسية - الأوكرانية، التي صارت شبه منسية حالياً وجزءاً من المشهد السياسي في أوروبا، مصدر توحد كبير في الموقف الأوروبي وفي خلافه مع واشنطن ضمن البيت الأطلسي، إلا أن أزمة سبتة أعادت إلى الواجهة موضوع الهجرة غير النظامية وكيفية التعامل معها ومعالجتها في البيت الأوروبي. وتتراوح المواقف بين طروحات سياسية عملية للتعامل مع قضية الهجرة غير النظامية إلى أوروبا وطروحات عقائدية مبدئية حادة وإلغائية أو اجتثاثية للآخر المختلف في اللون أو العرق أو الدين. أزمة زادت من الانقسامات القائمة في الاتحاد الأوروبي بين دوله من جهة وضمن هذه الدول بين تيارات سياسية مختلفة من جهة أخرى.
ومن نافل القول أو التذكير أن عملية التوسع الأوروبي من خلال قبول سريع لأعضاء جدد بعد نهاية الحرب الباردة ولو بشكل تدريجي وتكاليف ذلك التوسع على حساب ما كان يقول به المتحفظون، وليس المعارضون بالمبدأ لذلك التوسع، بضرورة إعطاء الأولوية لتعميق أو تعزيز الاندماج الأوروبي قبل فتح الباب لانضمام آخرين، قد ساهمت في إثقال عملية البناء الأوروبي وفي زيادة التحديات والعوائق أمامها. أضف إلى ذلك أن الأزمات الاقتصادية التي تعيشها بدرجات مختلفة ولأسباب مختلفة دول أوروبية عديدة قد ساهمت، ضمن عناصر أخرى منها العوائق السياسية الخاصة بالأولويات واختلاف الخيارات الوطنية العامة في مرحلة معينة أو في قضايا معينة، في زيادة عدد الحواجز وثقلها أمام مسار الاندماج الأوروبي. وقد أسقطت هذه الحواجز بالفعل عملية تبلور مفهوم «أوروبا القوة» أو القطب الدولي الفاعل والمؤثر.
خيبات أمل وتغير أولويات وازدياد التحديات وما تثيره من قلق ومخاوف، كلها عناصر ساهمت في صعود وتعزيز دور التيارات اليمينية المتشددة والقائمة على رفض الآخر المختلف كما أشرنا في البداية، وعلى تعزيز الفوبيا الهوياتية والمخاوف والانغلاق والمنطق التآمري، وتحميل ذلك «الآخر»، ضمن المنطق القائم على التبسيط والاختزال والتعميم والانتقائية، كل المصائب والمشاكل التي تواجهها هذه الدول والمجتمعات. فبين التقوقع والانغلاق ضمن جدران خوف تقيمها هويات رافضة بالمطلق للآخر المختلف وتشريع الأبواب بشكل كلي بخاصة في زمن الأزمات يبقى الحل المبدئي والواقعي في الوقت ذاته في تنظيم الهجرة التي تبقى حاجة للعديد من المجتمعات في قطاعات عديدة، كما أن التفاعل الشامل في جوانبه المختلفة مع «الآخر» في «المدينة الكونية» التي نعيش فيها أمر أكثر من ضروري وطبيعي ومصلحة للجميع. فالاختلاف كما تصوره جماعات «الفوبيا الهوياتية» ليس بالضرورة مصدر اختلاف، بل هو مصدر غنى وتفاعل خلاق في كافة مجالات الحياة إذا ما أحسنت إدارته.
