ثمّة حزن كثيف منسدلٌ على تمثال برونزي وسط ساحة «شيادو» الأنيقة في الحي العالي بالعاصمة البرتغالية لشبونة. رجل جالس وراء منضدة المقهى، متستراً خلف أسمائه غير المتجانسة وأقنعته الشعرية المتعددة، ومتأرجحاً بين صفاء الذهن والجنون. إنه فرناندو بيسّوا، صاحب المطالع الشعرية التي لا تنسى، والذي لم ينشر له سوى ديوان واحد في حياته التي مرّت كومض البصر، تاركاً وراءه آلاف المخطوطات المحفوظة في صندوق خشبي كبير خرج منه واحد من أجمل كتب القرن العشرين، وما زالت محتوياته تزخر بالمفاجآت. «كتاب القلق» الذي منذ صدوره تحوّل مرجعاً أساسياً للأدب الاستقرائي والوجودي، يتألق في سبر أغوار النفس البشرية وسعيها المضطرب والكئيب وراء معنى الحياة، هو المفاجأة الكبرى والدرّة النادرة التي تركها لنا هذا النحيل الكئيب المتساقط على ذاته دوماً كأزاميل النحّاتين.
أسلوب فريد لا يجاريه فيه أحد، به استبق بيسّوا تيارات أدبية مثل الحداثة والوجودية، يجمع بين الشعر والخواطر واليوميات، ويخرج عن كل ما هو مألوف في التصنيفات الأدبية. البعض يرى أن أعماله على درجة عالية جداً من التعقيد والكثافة بسبب بنيتها المجزأة وعمقها الفلسفي، في حين يجد فيها كثيرون محفّزاً على التأمل الذاتي ونبراساً قوياً يكشف عن متاهات البحث عن الهوية والحقيقة والفراغ الوجودي.
أبرز السمات التي تتميّز بها أعمال بيسّوا هو استخدامه للأسماء غير المتجانسة، وهي ليست مجرد أسماء مستعارة، بل كيانات أدبية قائمة بذاتها، لها سيرها وأسلوبها الخاص ومقاربتها الفلسفية للحياة والوجود. وهو أسلوب أدبي فريد أتاح له استكشاف شخصيات وهويات مختلفة، وأضفى على نتاجه تنوّعاً قلّ نظيره وحظي باهتمام واسع بين النقّاد والفلاسفة الذين رأى فيه كثيرون منهم همزة وصل أساسية بين الأدب الكلاسيكي والأدب المعاصر.
لم يصدر «كتاب القلق» إلا بعد مرور نصف قرن على رحيل بيسّوا في عام 1935، غنائياً، وملحمياً، ومتيّماً بمدينته وبشمس الأصيل على أهداب نهر «التاج» المتهالك في وسع الأطلسي، وعاشقاً للنزهات القصيرة، والأحلام الطويلة، والملذات الصغيرة، والآلام الحادة التي تشهد على الحياة.
أحار دوماً كيف أنصح بقراءة هذا الكتاب، ولا أتردد أبداً في القول إنه كتاب يغيّر حياتنا، هذا إذا كانت لدينا الرغبة فعلاً في تغييرها. «لا تؤلم المعاناة إلا عن بعد» كان يقول بيسّوا، ربما عن غير إدراك بأن معاناة الآخرين هي التي تداوي، عن قرب، جراحنا. ولنا عودة إلى دون فرناندو...
