إن التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم اليوم، وبخاصة بعد الثورة الرقمية وصعود الذكاء الاصطناعي، تجعل من الضروري الوقوف عند أهم المقومات الأساسية لبقاء الجامعة وقدرتها على المنافسة والإسهام، ألا وهي: تكتل التعليم العالي، والتحول الرقمي، وتسويق المعرفة والابتكار.
أول هذه الشروط هو تكتل مؤسسات التعليم العالي. فقد أثبتت التجارب الدولية أن الجامعات التي تعمل داخل شبكات وتحالفات أكاديمية تحقق نتائج أفضل من الجامعات المنعزلة. ولم يعد التنافس قائماً بين جامعة وأخرى، بل بين منظومات جامعية متكاملة تتقاسم الموارد والخبرات والمختبرات والمشاريع البحثية.
ولعل أبرز مثال على ذلك التحالفات الجامعية التي تجمع عشرات الجامعات في فضاءات تعليمية وبحثية مشتركة، وتتيح للطالب التنقل بين جامعات عدة ضمن برنامج واحد، كما تسمح للأساتذة والباحثين بتطوير مشاريع مشتركة والاستفادة من التمويل الأوروبي. كما يشكل برنامج «إيراسميس بلوس» نموذجاً ناجحاً في جعل الحركية الأكاديمية ركيزة لبناء المعرفة المشتركة.
إن الجامعة اليوم لم تعد مُطالبة فقط بتخريج الطلبة، وإنما ببناء منظومة بحثية مرتبطة بحاجات المجتمع والاقتصاد. فالبحث العلمي ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو المحرك الحقيقي للابتكار، ومن دونه تتحول الجامعة مؤسسةً تنقل معارف ينتجها الآخرون، بدل أن تكون فضاءً لإنتاج المعرفة وصناعة الحلول.
ومن هنا يبرز سؤال فلسفي لا يزال مطروحاً بقوة: هل وظيفة الجامعة هي تعليم التفكير النقدي، أم إعداد الكفاءات لسوق الشغل؟ والواقع، أن الجامعة الناجحة هي التي تستطيع الجمع بين الوظيفتين؛ فهي تُكوّن إنساناً قادراً على التفكير والإبداع، وفي الوقت نفسه تزوده بالمهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد الحديث. ولذلك؛ أصبح من الضروري أن تُبنى البرامج الدراسية انطلاقاً من دراسات دقيقة لحاجيات السوق، مع الحفاظ على الرسالة الإنسانية والعلمية للجامعة.
أما الشرط الثاني، فهو التحول الرقمي وتكنولوجيا المعلومات والاتصال. فمنذ ظهور الإنترنت ثم الهواتف الذكية، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، عرف التعليم العالي أكبر تحول في تاريخه. ولم يعد الأستاذ الجامعي المصدر الوحيد للمعرفة، بل أصبح موجهاً وميسراً للتعلم، في حين أصبحت المعرفة نفسها متاحة بضغطة زر.
وقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة توسعاً غير مسبوق في المنصات التعليمية المفتوحة، إضافة إلى المحتوى التعليمي المجاني على «يوتيوب»، ثم جاءت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها «شات جي بي تي»، لتغير جذرياً طريقة البحث والكتابة والتحليل والتعلم.
وأصبح من غير المقبول أن يتخرج طالب جامعي من دون إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والبحث الرقمي، تماماً كما لم يعد مقبولاً أن يظل الأستاذ بعيداً عن هذه التقنيات. فالجامعة التي لا تستثمر في البنية الرقمية، وفي تكوين أساتذتها وطلبتها على الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات، تخاطر بأن تصبح خارج الزمن.
غير أن هذا التحول يفرض أيضاً تحديات أخلاقية كبيرة، من بينها حماية النزاهة العلمية، واحترام حقوق الملكية الفكرية، والتمييز بين توظيف الذكاء الاصطناعي كمساعد للباحث وبين الاعتماد عليه بديلاً عن التفكير والإبداع.
أما الشرط الثالث، فهو تسويق المعرفة والابتكار. فالجامعة الحديثة لا تكتفي بإنتاج الأبحاث ونشرها في المجلات العلمية، بل تعمل على تحويل نتائجها منتجاتٍ وخدماتٍ وشركات ناشئة وسياسات عمومية تسهم في التنمية.
لقد أصبحت العلاقة بين الجامعة والدولة والقطاع الخاص، أو ما يعرف بنموذج «الحلزون الثلاثي»، أحد أهم محركات الاقتصاد القائم على المعرفة. ففي الجامعات الأميركية والأوروبية والآسيوية الكبرى، نجد مكاتب لنقل التكنولوجيا، وحاضنات للمقاولات، ومراكز للابتكار، وصناديق لدعم الشركات الناشئة التي يؤسسها الطلبة والباحثون.
وليس من قبيل الصدفة أن تخرج جامعات مثل ستانفورد أو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا شركات عالمية غيَّرت وجه الاقتصاد الرقمي؛ لأن تلك الجامعات لم تعتبر المعرفة غاية في حد ذاتها، وإنما رأت فيها قوة اقتصادية واجتماعية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.
أما في كثير من الدول العربية، فما زالت العلاقة بين الجامعة والمحيط الاقتصادي محدودة، ولا يزال عدد براءات الاختراع والشركات الجامعية الناشئة دون المستوى المطلوب.
إن الجامعة التي يحتاج إليها القرن الحادي والعشرون ليست جامعة الشهادات، بل جامعة الأفكار والابتكار والتأثير. جامعة تنفتح على العالم من دون أن تفقد هويتها، وتستثمر التكنولوجيا من دون أن تتخلى عن رسالتها الإنسانية، وتنتج المعرفة ثم تحولها قيمةً اقتصادية واجتماعية.
ففي عالم أصبحت فيه المعرفة هي الثروة الحقيقية، لم يعد معيار قوة الأمم بما تمتلكه من موارد طبيعية، بل بما تنتجه جامعاتها من علم وبحث وابتكار. ومن هنا، فإن مستقبل أي دولة يبدأ، قبل كل شيء، من جامعة قادرة على صناعة المستقبل، لا الاكتفاء بتدريس الماضي.
