في صيف عام 1990، تم الكشف عن مقابر العمال بناة الأهرامات في الجيزة. وعلى الرغم من أن بداية الكشف لم تكن نتيجة حفائر علمية، فإنني كنت سعيداً للغاية بهذا الاكتشاف الذي أخرس الألسنة الباطلة التي حاولت تزييف التاريخ، ونسب بناء الأهرامات لأقوام آخرين، وادعاء أن الفراعنة ليس لهم دور في بناء كل تلك المعجزات المعمارية!
ما زلت أذكر ذلك اليوم، وأنا أباشر عملي مديراً لمنطقة أهرامات الجيزة، في مكتبي الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن هرم الملك خوفو! فوجئت بشيخ خفراء المنطقة يدخل إلى مكتبي ليخبرني أن فتاة أجنبية جاءت مع أحد الأفواج السياحية، وبينما كانت تمتطي حصاناً وتتجول مع بقية الفوج في المنطقة الصحراوية خلف «حيط الغراب» -سور من الحجر يقع إلى الجنوب الشرقي من تمثال أبو الهول- تعثر الحصان الذي تمتطيه في قوالب من الطوب اللبن لتسقط من على صهوة الفرس، ولكنها بخير.
أدركت بالطبع لماذا جاء شيخ الخفراء ليخبرني بتلك الحادثة! إنها تلك القوالب من الطوب اللبن التي ظهرت فجأة تحت حدوة الفرس! وعلى الفور ذهبت لتفقُّد موضع حادثة الحصان. وبمجرد أن شاهدت المكان وقوالب الطوب اللبن، قلت لمن حولي: هنا تقع مقابر العمال بناة الأهرامات.
لم يكن مجرد تخمين؛ بل يقين؛ لأنني سبق أن قمت بإجراء الحفائر على بعد أمتار قليلة من هذا المكان بحثاً عن تلك المقابر؛ لكنني لم أجدها، ولم يكن هناك مال كافٍ مخصص للحفائر لاستمرار البحث، فكان يجب أن نتوقف انتظاراً لحادثة مثل تلك التي وقعت للفتاة الأجنبية، لكي نكشف عن المكان الحقيقي لمقابر العمال بناة الأهرامات.
وعلى مدار سنوات كثيرة قمت بأعمال الحفائر المنظمة في المنطقة، لنكشف عن واحد من أهم الاكتشافات الأثرية على الإطلاق.
وتنقسم الجبانة إلى مستويين؛ الأول منخفض وبه مقابر للطبقة الفقيرة من العمال الذين اشتركوا في بناء الأهرامات. ومقابرهم عبارة عن حجرات دفن فردية أسفل الأرض، يعلوها بناء من الطوب اللبن لتحديد مكان القبر. والغريب أن ذلك البناء العلوي في أحيان كثيرة كان يأخذ شكل الهرم الحقيقي ولكن من الطوب اللبن، وفي أحيان أخرى كان هذا البناء يأخذ شكل الهرم المدرَّج. هذه الأشكال المعمارية كنا نظنها وقفاً على الفراعنة وحدهم! لم يكن أحد يتخيل أن يسمح الفراعنة لأحد من الشعب -خصوصاً العمال- أن يبنوا لأنفسهم أهرامات رمزية من الطوب اللبن.
أما الجزء العلوي من الجبانة فقد تم تخصيصه لمقابر رؤساء العمال والفنانين ورؤساء الحرف. في ذلك الجزء من الجبانة كشفنا عن مقابر كبيرة نسبياً بُنيت من الحجر، وحُفرت أجزاء منها داخل الصخر الطبيعي للجبل. وعثرنا على النقوش التي زينوا بها مقابرهم، وأهمها بالطبع أسماؤهم والمهام التي أُسندت إليهم في بناء الأهرامات. وكان أحدهم مشرفاً معمارياً على أحد جوانب الهرم!
هنا علمنا أنه كانت هناك فرق للعمال تعمل وفق خطة محكمة؛ كل فرقة لها رئيس ومشرف، تعمل في جانب محدد من جوانب الهرم.
وكان من أعظم ما قمنا بالكشف عنه مقبرة لزوجة أحد العمال، وكانت تعمل قابلةً، أي التي تساعد النساء أثناء الولادة.
وفي نقوش واحدة من مقابر العمال، كتب صاحب المقبرة تحذيراً بأن اللعنة ستصيب كل من يحاول مس القبر بسوء، وأن التماسيح ستكسر عظامه، وأن الأسد سيلتهم لحمه. وإلى جوار نص اللعنة الخاص بالزوج وجدنا نصاً هيروغليفياً آخر كتبته زوجته، تحذِّر فيه مَن يحاول إيذاء قبرها بأن الثعبان سيلدغه، وستلتهمه الأسود، وستهشم عظامه أفراس النهر.
