شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

جزيرة الفصح... أسرار عائمة وسط المحيط الهادئ

استمع إلى المقالة

في وسط المحيط الهادئ، على بعد آلاف الأميال من السواحل المأهولة، يقع أحد أكثر الأماكن غموضاً وإثارة للدهشة والذهول في العالم. إنها «جزيرة الفصح»، خزّان هائل من الأسرار الأنثروبولوجية والألغاز الأثرية التي ما زالت تحيّر الباحثين وتستقطب الفضوليين منذ عقود.

وصلناها جوّاً من سانتياغو، عاصمة تشيلي، بعد رحلة دامت ست ساعات في معيّة فريق من خبراء الألسنية الذين يبحثون في أصول لغة السكان المحليين Rapa Nui التي تقوم على نظام للكتابة محفورة أبجديته بإتقان مذهل في ألواح خشبية يستعصي فكّ رموزها على العلماء والباحثين ويحارون في تحديد أصولها ومعانيها. وكان أول من اكتشف هذا النظام المبشرون الذين نزلوا الجزيرة أواخر القرن التاسع عشر، عندما وقعوا على رسوم نحيلة لبشر ونبات وحيوانات ورموز مجرّدة لا تشبه أيّاً من الكتابات القديمة المعروفة. وليس واضحاً ما إذا كانت هذه الألواح تمثّل منظومة متكاملة للكتابة، أو هي مجرد وسيلة بدائية لاستذكار حكايات أو لتدوين السلالات والأنساب. ويعزو العلماء استعصاء ترجمة هذه الكتابات إلى عدم عثورهم حتى الآن على «نصّ مؤسس» على غرار «الحجر الرشيد» الذي كان مفتاح فكّ رموز الكتابة الهيروغليفية.

لكن اللغز الأكبر الذي تختزنه هذه الجزيرة - التي وصلها أول أوروبي صبيحة اليوم الواقع فيه عيد الفصح في عام 1772، وأصبحت تابعة لجمهورية تشيلي منذ عام 1888 - يكمن في مجموعة التماثيل الصخرية الضخمة المرصوفة بدقة على سواحلها، والتي تزيد زنة بعضها على تسعين طناً، ويرجّح علماء الآثار أنها تعود إلى أوائل القرن الثالث عشر.

في عام 1995 أدرجت منظمة «يونيسكو» مجموعة آثار هذه الجزيرة على قائمة التراث العالمي، نظراً لأهميتها التاريخية والثقافية والبيئية، ولما تشكله من قيمة فريدة للإنسانية. وقد ساعد ذلك القرار سكان الجزيرة الأصليين، الذين يتحدرون من تاهيتي وغيرها من جزر بولينزيا، في الحفاظ على تراثهم ولغتهم التي يصرّون على التخاطب بها وتدريسها لأولادهم.

حتى اليوم لم تستقرّ آراء علماء الآثار والباحثين حول الغاية من تلك التماثيل الضخمة، وكيف وصلت إلى المواقع التي توجد فيها، ومن تمثّل تلك الرؤوس التي تكاد تكون متطابقة في تقاسيمها. ويذهب الاعتقاد الراجح، من غير قرائن علمية تدعمه، أنها ترمز إلى شخصيات مهمة من أجداد سكان الجزيرة وتوفّر لهم الحماية من الغزاة المحتملين.

تبلغ مساحة هذه الجزيرة 163 كيلومتراً مربعاً، مما يجعل منها أصغر جزيرة مأهولة في العالم، ومن أبعدها عن اليابسة. وما يزيد في قيمتها البيئية أن في وسطها فوهة بركان تحتضن بحيرة من المياه العذبة، وهي ظاهرة نادرة جداً في الجزر البركانية الصغيرة، فضلاً عن تنوّع نباتي فريد ما زالت أصوله لغزاً علمياً إلى اليوم.