خبر مؤلم انتشر الأسبوع الماضي، يؤكد أن عشرات آلاف الكتب، بعضها نادر، قد لا نستطيع تعويضه أبداً، مُزّقت إلى ورقات، ثم صوّرت ضوئياً، وتم إتلافها إلى الأبد. ناشرون ومكتبات، في أوروبا تلقوا رسائل عرضت عليهم شراء مخزوناتهم من الكتب المكدسة، وأقدموا على بيعها بالفعل، وهم يعرفون مصيرها سلفاً. المشاعر تتراوح بين الراحة من تفريغ المخازن وكسب المال، والأسف على فقدان إرث كان يفترض ألا يهدر. المشترون هم، شركات ذكاء اصطناعي، يهدفون لتدريب نماذجهم على أساليب لغوية، تعود إلى ما قبل التسمم التكنولوجي، أي قبل 2022، لكنّ الثمن باهظ.
فيديو نشره موقع كندي متخصص برقمنة الكتب، أظهر عدداً لا يحصى من الكتب، قطّعت أغلفتها، استعداداً لمسحها ضوئياً، وقد أصبحت غير صالحة للاستخدام.
بائعو كتب بالجملة في أوروبا وأميركا يتحدثون عن طلبات تردهم للحصول على عناوين نفدت، ما يعني أن جلّادي الكتب، بعد أن استنفدوا المتاح من النصوص، باتوا يبحثون عن مخزونات نفيسة لينفذوا فيها حكم الإعدام.
دعوى قضائية رفعت ضد «أنثروبيك» تمت خسارتها، ببساطة لأن الشركات الكبرى تستفيد من الثغرات القانونية، وتخرج بريئة من جريمتها. فأن تشتري كتاباً وأنت صاحبه، لك الحق أن تفعل به ما تشاء، بما في ذلك سرقة محتواه على ما يبدو، وجعله جزءاً من مشروعك الكوني.
خبر آخر، ظاهره مغرٍ وباطنه مفزع. وهو ولادة شركات ناشئة عديدة، يتزايد عددها بسرعة، تعرض علينا قراءة تفاعلية. أي أنك وأنت تقرأ كتاباً وتتوقف عند شخصية فيه، تحار كيف تصنفها، بمقدورك أن تسأل هذا الذكاء المستجد، عن خلفيات الشخصية، أو مقاصدها، حتى رأيه فيها. وكنا قد فرحنا بما تقدمه مواقع ذكية، من شروحات، أو مواجز، ورسومات لمسار القصة، أما وأن الأمر وصل للاجتهادات والتفاسير، فإننا أمام معضلة كبرى. لا بأس أن تسأل عن خلفية تاريخية لحدث، أو تستوضح عن فكرة غامضة، وربما تطلب تذكيرك باسم شخصية، أما وقد دخلت الآلات في عالم التأويل، الذي أرجف القلوب القاسية، فتلك مسألة تستحق التوقف عندها.
المصري أحمد كامل، أطلق منصة «سيناء» التي لقيت صدى عالمياً واسعاً، مع أنها لا تزال تجريبية. وصف صاحبها التعامل مع الكتاب بأنه «أصبح شبيهاً بالتعامل مع كائن حيّ». قبله، في أبريل (نيسان) الماضي تم إطلاق «ماي سمارت بوك» وهي منصة ذات وظيفة مشابهة، ووفرت «أمازون» خدمة «اطرح سؤالاً»، و«أوديبل» للكتب الصوتية صارت تسمح لك أن توقف الاستماع، لتسأل عما تريد.
الإيجابية أنك ستقبل على قراءة ما كنت تجده عسيراً، أو معقد التركيب ومستغلقاً عليك، لكنك في الوقت نفسه، ستتلقى إجابة تلقينية جاهزة، وتحرم من كل الاحتمالات الأخرى الممكنة. فمن يملك الحقيقة المطلقة، ليس الذكاء الاصطناعي بالتأكيد.
وإن كان ما يشغل بال الغالبية، هو حقوق الناشرين والكتّاب، والعوائد التي يفترض أن يحصلوا عليها، فهذا ليس بالأمر العسير الذي يمكنه أن يدمر العقول، وينسف الفكر النقدي عند القارئ حتى قبل أن يبدأ بالتفتح.
القراءة ليست مجرد معلومات تلقن. هي متعة وإحساس، ودخول في أجواء، وتماهٍ مع شخصيات، وتفاعل مع أحداث في الحالة الأدبية. وفي الفلسفة تقرأ وتفتح أمامك سبلاً وآفاقاً كنت تجهلها، ورؤى لم تكن تتخيلها. فهل ينتهي كل ذلك، بأن تسأل جهازك: اختصر لي هذه الرواية بخمسة أسطر؟ أو اشرح لي تلك النظرية في كلمات؟ هل سيبقى للكاتب من حماسة بعد ذلك، ليصبر على شهورٍ وسنوات من الكدّ، ليوصل لنا زبدة أفكاره؟ نموذج صاحبة نوبل للآداب الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك التي أقلعت عن التأليف لأنها لا تريد أن ترى ثمرة جهودها، ومئات الصفحات التي تكتبها بصبر وأناة، مختصرة بعبارات بلا روح، يمكن أن يتكرر بالتأكيد.
المرعب هو قتل التأويل، الذي يعزز التعصب وضيق الأفق. ثمة إجماع على أن النص لا يحمل معنى واحداً جاهزاً، بل كل القارئ بغنى خلفياته يعيد تشكيل المعنى، بعد أن ينتهي دور الكاتب. من شلايرماخر إلى هايدغر وبول ريكور جميعهم كتبوا عن أن النص يعيش حياة أخرى ومعاني متجددة، بفضل قرّائه، وما يفيضون عليه.
ما يطرح علينا اليوم، هو خنق النصوص، وتحكّم سلطة خارجية بفهمنا لها. قد تقول: «ما هذا الفلسفة، ولنا خيار أن نستخدم الآلة لهذا الغرض أو نرفضه؟» وهو ليس صحيحاً. فمن يطلب مساعدة الآلة سيفقد المعنى ويسجن في زاوية ضيقة، ومن لا يقبل بهذه المعونة السحرية، سيبقى يسير ببطء السلحفاة، فيما الآخرون ينطلقون كالصواريخ في فضاءات من دون بوصلة ولا محطة هبوط، فأيهما تختار؟!
