في زمنٍ باتت الحقيقة أمراً بعيد المنال، واليقين سراباً يلوح في أمواج التدفق الرقمي الفائرة، برز «الشك المُعمم» لا بصفته موقفاً عابراً في عقل المتلقي، بل بوصفه ظلاً وجودياً ثقيلاً يطاول طبيعة الخطاب الإعلامي نفسه. فلم يعد الأمر مُقتصراً على تمحيص مصدر أو مراجعة رواية؛ بل تحوّل إلى ارتياب متأصل في نيّات الناشر قبل القصص التي ينشرها، وإلى عدوى تفتك بالثقة بوصفها نسيجاً اجتماعياً، قبل أن تفتك بالأخبار كمنتج يومي مُعتاد.
لا بد هنا من تمييز دقيق، يفرق بين الشكّ الصحّي، الذي يعد أداة مهنية ضرورية في يد الصحافي والمُتلقي، وبين «الشكّ المُعمم»، الذي يتحوّل إلى أداة عدمية في يد الجمهور. فالأول منهج معرفي يصقل الحقيقة بالتحقّق والتثبّت؛ والثاني موقف أنطولوجي يرتاب في وجود الحقيقة ذاتها، مُسقطاً على وسائل الإعلام تهمة التآمر والمواربة، ومحوّلاً كل خبر إلى لغز ينبغي كشف «مَن وراءه؟» وليس «ماذا يقول؟»؛ حيث لم يَعُد السؤال «هل هذا الخبر صحيح؟»، بل «لماذا تريد هذه الوسيلة أن أصدّقه؟».
في رحى هذا المناخ المُضطرب، وقفت القيم الصحافية التقليدية، كالحياد والموضوعية، على مفترق مصيري. فالحياد، ذلك المبدأ الذي ظل عصيّاً على التعريف الجامع الشامل رغم تمتعه بالتبجيل، لم يعد اليوم فضيلةً تُرتجى، بل صار تهمة تُدين صاحبها بالجبن الفكري أو التواطؤ المزدوج. ففي عصر الفورة الرقمية، يُقرأ التزام الوسيلة بالوقوف على مسافة متساوية بين نقيضين، على أنه تطبيع مع الأكاذيب، وترفُّع زائف عن إصدار الحكم.
الجمهور المُشكك لا يريد قاضياً محايداً يجلس في برجه العالي؛ إنه يريد محارباً يحمل راية ما يراه حقاً. وهنا تكمن المفارقة العميقة، فالحياد، الذي كان بوابة الدخول إلى عقل المتلقي، ووسيلة لإقناعه، صار في نظره حجاباً كثيفاً يحجب الحقيقة، لأنه يجب ألا يُمنح «الحق» و«الزيف» مساحةً متساويةً في تقرير.
أما الموضوعية، تلك القيمة المُبتغاة تقليدياً في عالم الصحافة، فقد تعرّضت لهزّة عنيفة غيّرت جوهرها الوجودي إلى طبيعة إجرائية.
كانت الموضوعية تُفهم سابقاً على أنها الحقيقة النهائية التي تصل إليها المؤسسة وتُهديها إلى الجمهور؛ أما اليوم، ومع تعاظم الشك، فقد سقط هذا الادعاء كخرافة ساذجة.
لم يعُد معنى الموضوعية أن تخبرني بما حدث، بل أن تخبرني بكيفية معرفتك بما حدث. لقد تحوّلت من صفة للنصّ الخبري إلى شفافية في بروتوكولات الإنتاج.
صار المطلوب من المؤسّسة أن تكشف عن أوراقها: مصادرها الخام، وتناقضاتها، حتى الأخطاء التي استبعدتها. لأن الجمهور في ظل «الشكّ المُعمم»، لا يُصدّق الكمال؛ لكنه قد يُصدّق الاعتراف بالعيب، وفي ذلك انتصار للشفافيّة على الوهم بالعصمة.
لكنّ الثمن الأغلى لهذا الزلزال هو انهيار «الأرضية المشتركة»، التي كانت الموضوعية تحاول ترسيخها. فمع تعميم الشكّ، تغدو الحقيقة نسبية بامتياز، وتتعدّد الحقائق بتعدّد الزوايا الآيديولوجية والنفسية لكل فئة.
يتحوّل الخبر الواحد إلى مرآة تعكس مخاوف القارئ قبل أن تعكس واقع الخارج، ويُرفض أي محتوى يخالف التوقعات المُسبقة بوصفه «دعاية» محضة. وهنا ينهار دور الصحافة كجسر آمن فوق الرّوايات المتضاربة، لتصبح بدلاً من ذلك صدىً يعزّز الانغلاق، وتسهم في إذابة النسيج العام إلى جزر معرفيّة معزولة، لا يجمعها يقين واحد.
بين هذا الركام، يُلامس الباحثون ميلاد نموذج بديل يُعرف بـ«الصحافة التفسيريّة»، كردّ فعل تكيّفي على فشل الحياد المُجرد. هذا النموذج لا يخجل من الإعلان عن منطلقاته القيَمية، واضعاً انحيازه الأخلاقي على الطاولة قبل حقائقه المنهجية. وقد وجد أن الجمهور، في خضمّ «شكه المُعمم»، قد يمنح ثقته لمن يعترف مُسبقاً بـ«من أين يتكلم»، بدلاً من ذلك الصوت الذي يدّعي القدرة على التحدث من كل مكان. إنها محاولة جديدة، تهدف إلى بناء الثقة على أنقاض الحياد، عبر صراحةٍ لا تخلو من جرأة، تضع الشفافية بديلاً عن الموضوعيّة الجامدة، والنزاهة بديلاً عن «الحياد المستحيل».
إن «الشك المُعمم»، إذن، لم ينهِ عهد القيم الصحافية التقليدية، بل غيَّر طبيعتها القديمة، وأجبرها على التبدّل في شكل جديد أكثر توافقاً مع مقتضيات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي. لقد أنهى عصر «الخبر كسلعة جاهزة»، واستهل عصر «الخبر كدعوة للتحقيق المفتوح».
وبينما يبدو المشهد قاتماً، فإن هذه المحنة تحمل في طيّاتها فرصة ذهبية؛ فقد تتكيّف الصحافة مع واقعها الجديد، وتتخلّى عن بعض «الأوهام» السابقة، وتمارس دورها الجديد الأكثر تواضعاً وقوةً في آن، وهو دور الشاهد الذي يُظهر للمتلقّي ندوب بحثه، لا كمال روايته.
تلك هي المعركة الحقيقية اليوم؛ وهي ليست معركة امتلاك الحقيقة، بل معركة إدارة الشك بعقلانية لا تتكسّر تحت وطأة الارتياب، ولا تستسلم لسحر اليقين المفقود.
