هل بات العالم على موعد مع «بيرل هاربور» فضائية؟ علامة استفهام انتشرت واسعاً في الأيام الأخيرة، لا سيما بعد تصريحات من جنرالين نافذين، ألماني وأميركي، عما يمكن أن تكون روسيا تسعى إليه في طريق ما هو أبعد من عسكرة الفضاء.
القصة لها جذور تعود إلى عام 2022، حين أطلقت موسكو صاروخاً من طراز «سويوزو»، إلى مدار يرتفع نحو 2000 كيلومتر عن سطح البحر، مما أثار شكوكاً بأن الروس بصدد التحضير لانتهاك أحد المحظورات الدولية، أي نشر سلاح نووي في الفضاء.
في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، كان الجنرال الألماني مايكل تراوت، قائد القوات الفضائية العسكرية الألمانية، يصرح بأنه لا يستطيع أن يستبعد قيام روسيا بتطوير تكنولوجيا لوضع رأس حربي نووي في الفضاء.
لم يكن تراوت أول من نبه إلى الأمر، فقد استبقه في أبريل (نيسان) الماضي قائد القوات الفضائية الأميركية الجنرال ستيفن وايتينغ، الذي حذر في مقابلة له مع صحيفة «التايمز» من خطر حدوث «بيرل هاربور فضائية»، بسبب خطط روسيا لنشر أسلحة نووية في مدار قريب، ما يشكل تهديداً للأمن العالمي، وقد يقود عند لحظة بعينها من سخونة الرؤوس إلى هجوم مثل ذاك الذي قام به اليابانيون على الأسطول الأميركي في ديسمبر (كانون الأول) 1941.
هل تسعى موسكو بالفعل إلى محاولة التأثير على موازين القوى الدولية، لا سيما بعدما صمدت أوكرانيا طويلاً، وربما كان الفضاء الخارجي، بمساعدة غربية، وأميركية بنوع خاص، قد تسبب في تعميق مأزقها العسكري؟
قبل الجواب ربما يتحتم علينا البحث في أعماق عسكرة الفضاء، سنجد أن الروس ليسوا أول من فكر في مثل هذا الاتجاه، حتى وإن كان مخالفاً لمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، التي تنص على أن يُستخدم الفضاء الخارجي للكرة الأرضية لأغراض سلمية وعلمية مع حظر قيام أي دولة بوضع أسلحة في الفضاء.
تحفظ لنا أضابير التاريخ، كيف أن عام 1962 شهد تجربة أميركية أُطلق عليها «حوض السمك»، حين فجرت أميركا قنبلة نووية بقوة 1.4 ميغاطن على ارتفاع 400 كلم فوق المحيط الهادئ، مما أدى إلى حدوث نبضة كهرومغناطيسية ضخمة، أتلفت أقماراً اصطناعية مبكرة، وعطلت شبكات الطاقة في هاواي.
اليوم وفي حال قيام الروس بمثل هذا التفجير، حكماً ستكون النتائج كارثية على المسكونة وساكنيها، بعد أن باتت الصلة بين الفضاء والأرض حيوية في مسارات الجنس البشري.
سيصاب العالم الحديث بعطب قاتل، حال انفجرت شحنة نووية في مدار قريب من الأرض، مما يؤدي إلى فقدان نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، وقطع خطوط الإنترنت التي تعمل عبر الأقمار الاصطناعية، وفقدان الاتصالات العسكرية وتعقيد تشغيل الأنظمة العسكرية.
قبل بضعة أسابيع نشرت مجلة «بولتيكو» الأميركية تقريراً مطولاً في هذا الصدد، أشارت فيه إلى حالة الهلع التي يمكن أن تصيب حركة الملاحة البحرية والجوية، حال انقطاع نظام تحديد المواقع العالمي، الذي ظهرت إرهاصاته في شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) الماضيين، حين تعرضت منطقة بحر البلطيق إلى تشويش فضائي أرجعه الخبراء إلى جهود الروس في هذا الإطار، فيما قالت مصادر أوروبية إنه كان بمثابة تجارب على عمليات غزو قادمة لدول المنطقة.
في القلب من أوروبا، بدت ألمانيا الدولة الأكثر استجابة للمخاوف من هجمات روسية في الفضاء الخارجي، ولهذا جعلت السياسات الدفاعية الفضائية، في القلب من تطوير الجيش الألماني، وعلى أن يكون قادراً ليس فقط على حماية وصول ألمانيا وحلفائها إلى الفضاء، بل أيضاً على تقييد قدرة الخصم على استخدامه.
أما الولايات المتحدة، وفي ظل هذه التهديدات، فتعتزم زيادة الإنفاق على الدفاع الفضائي إلى 71 مليار دولار، أي نحو عُشر موازنة الدفاع الأميركية العامة.
هل تعني السطور المتقدمة ازدياد خطر نشوب صراعات خارج كوكب الأرض مع احتدام التنافس بين الدول الكبرى على الهيمنة في الفضاء، واعتمادها المزداد عليه لتوفير خدمات أساسية مثل الاتصالات والملاحة؟
من الواضح أن حلفاء «الناتو» يدركون جيداً أن الروس غير عابئين بفكرة المعاهدات الدولية، وقد يكون قلقهم من الأعدقاء الصينيين أكثر حدة من الأوروبيين والأميركيين، ولهذا يمضون قدماً في مشاريعهم النووية الفضائية.
عبر مجلة «نيتشر» العلمية، قدم أريك غوليان، الخبير الأميركي في الشؤون النووية من معهد «ماساتشوستس للتكنولوجيا»، تصوراً لمركبة فضائية صغيرة يمكن من خلالها التعرف بشكل قاطع إلى وجود سلاح نووي في الفضاء.
أتراها الأرض ضاقت بحروب البشر وحان أوان حروب النجوم؟
