تتباين النظريات في أصل الكلمة التي تحوَّلت إلى علامة فارقة في توصيف نمط حياة مجتمع بكامله. لكن ثمّة غالبية ترجعها إلى لغة الضاد، وبعض الاشتقاقات التي تعني الشجاعة والمروءة ونصرة الضعيف وحمايته من الدولة المستبدة والإقطاع، كما كان الدأب الأول لهذه الجماعة عند مغارب القرن الثامن عشر في أرياف جزيرة صقلية التي خضعت لحكم المسلمين من أواسط القرن التاسع حتى أواخر القرن الحادي عشر.
مع مرور الزمن راحت المافيا تجنح نحو السطو والابتزاز وشتّى ضروب الأنشطة الإجرامية، وبدأت تتخلّى عن مواثيق الشرف التي تأسست عليها، مثل عدم المساس بالنساء والأطفال والمسنين، إلى أن بلغ شأو العنف الذي يضبط شروط الولاء وقواعد التراتبية فيها اشتراط اغتيال أحد أفراد العائلة للانضمام إلى دائرة القيادة الضيقة والارتقاء فوق الشبهات.
في مطالع القرن الماضي، اتجهت المافيا إلى الانخراط في أنشطة خارجة عن القانون، مثل الابتزاز، والتهريب، والربا، والميسر. وتسارع هذا الاتجاه بعد هجرة عدد من زعمائها إلى الولايات المتحدة؛ حيث أرست قواعدها بوصفها شبكة إجرامية تحكمها المواثيق نفسها التي حملها المهاجرون معهم من صقلية. وخلال فترة سريان قانون حظر الخمور في الولايات المتحدة طيلة العقد الثالث من القرن الماضي، اتسعت دائرة نشاطاتها وحققت أرباحاً طائلة عن طريق التهريب، وظهرت في صفوفها قيادات تاريخية مثل آل كابوني في شيكاغو، ولوكي لوشيانو في نيويورك الذي كان له الدور الأساسي في إعادة تنظيم المافيا الأميركية وتأسيس «اللجنة» التي كانت تقوم مقام الهيئة التنفيذية التي تُحدّد مناطق النفوذ وطبيعة الأنشطة الإجرامية، وتتولى تسوية المنازعات التي تنشأ بين العائلات.
حافظت المافيا الأميركية على روابط وثيقة مع المافيا الصقلية، لكنها استقلّت عنها في معظم أنشطتها، وطوّرت هياكلها التنظيمية وطرائقها الخاصة، رغم ازدياد العمليات المشتركة بين الطرفين في مجال تجارة المخدرات. وفيما كانت المنظمات الأميركية تتطور، مواكبةً حركة المجتمع ومقتضياته العصرية، خصوصاً بعد تشديد القوانين التي استحدثت لمكافحتها والحد من نفوذها، كانت المافيا في الجزيرة الأم تتعرّض لضغوط أمنية متزايدة على يد النظام الفاشي، طالت العديد من زعمائها، وأضعفت سيطرتها على المجتمعات الصغيرة التي كانت تتحكم بمفاصل الحياة الاقتصادية فيها.
لكن عندما قرر الأميركيون والبريطانيون اجتياح شبه الجزيرة الإيطالية من سواحل صقلية في عام 1943، اتجهوا إلى المافيا التي كانت لا تزال تتمتع بنفوذ في بعض المناطق الريفية والحضرية بفضل رسوخ جذورها فيها. وقدَّمت المافيا وشبكاتها المحلية معلومات ميدانية ثمينة للحلفاء حول تحديد مواقع وجود قوات المحور وتحركاتها، كما أن بعض أفرادها شاركوا في المعارك إلى جانب القوات الحليفة ضد القوات النازية والفاشية بعد الإنزال البحري. ويعدّ المؤرخون أن ذلك الدور الذي لعبته المافيا، واعتماد الحلفاء عليها لاحقاً لإدارة المناطق المحررة، أعاد إليها الاعتبار، ومدّها بالقوة التي أرست عليها نفوذها السياسي والاقتصادي الذي جعل منها الإمبراطورية الإجرامية المترامية التي نعرفها اليوم... وللحديث تتمة.
