سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

بلاد كولومبس... الجدان

استمع إلى المقالة

تشبه رحلة قصيرة في قطار الأنفاق في نيويورك جولة في معرض دولي للأعراق والأجناس. كل ذاهب في طريقه أو إلى منافسة الراكب الذي إلى جانبه.

هذه عاصمة المبارزة الرأسمالية التي تعدو خلف نفسها طوال 24 ساعة. هنا تعيش كالأباطرة، وهنا تحيا كالهدام. هذا مدخل العالم الجديد الذي اكتشفه الإيطالي كريستوف كولومبس وهو يظن خطأ أنه وصل إلى الهند.

عندما وصلت إلى نيويورك للمرة الأولى، كان المشي في شوارعها مغامرة. مدينة غير آمنة في الليل أو النهار. جاءها رئيس بلدية إيطالي يدعى رودولف جولياني. وعندما عدت إليها بعد سنوات كنت أقطع جاداتها وشوارعها وحدائقها في وضح النهار وأواخر الليل. ولكن في مكان آخر على الساحل الغربي كانت تقوم حرب شبه أهلية بين الكوريين والإسبان، وفي برامج التلفزيون الهزلية تدور النكات العرقية حول السود. وهذه كانت إلى الأمس تشعل حرباً أهلية. كم تتغير بلاد كولومبس. أو لعلها بلاد باراك حسين أوباما، ذي الأب الكيني المسلم.

لم يفلح أبناء القرية الأوائل. عاد أكثرهم إلى الضيعة للتقاعد في هدوئها وسكينتها وقناعتها. وبقي الباقون في «هيديك البلاد»، خجلين من أنفسهم وبأن أسماءهم لم ترد في أي لائحة من لوائح الفوز.

الفارق الجوهري بين أميركا والبلدان الكبرى الأخرى، أنها كانت بلاد مهاجرين. بلاد أجناس. ليست اليابان هكذا ولا الصين ولا دول آسيا. كانت أميركا الشمالية تشبه، إلى حد بعيد، توأمها الجنوبي، أو اللاتيني، إذا شئت. مثلها مثل قارة اغتراب واندماج وصهر. ومناجم ومواهب وفرص كثيرة وجريمة فاحشة. أصبح كارلوس سليم المهاجر من قرانا أغنى رجل في العالم. لكن المكسيك التي ولد فيها بلد غير مطمئن وجريمته كثيرة أيضاً. هاجر جد كارلوس في الوقت الذي هاجر أيضاً جدي تامر. وعمل كلاهما بائعاً متجولاً في أقاصي الأرياف التي لا تصلها طريق إلا طرق الخيل. بقي جد كارلوس في المكسيك ليصبح أغنى رجل في العالم وعاد جدي تامر إلى الوطن ليصبح بركة العائلة.