المونديال الثلاثي الحالي في كندا - أميركا - المكسيك. فرجة للعين ومسرح للنظر وأفق للتأمل، في سحر وصناعة كرة القدم، وفيما وراء كرة القدم وما حولها.
غزارة مباريات في أكبر نسخة صنعتها الفيفا لكأس العالم، منتخبات تشارك لأول مرة، دول لم يسمع بها أحدٌ في ديارنا من قبل، مثل كوراساو، ودراما وانتصارات وانكسارات وإقبال وهجر، وفرح وحزن، وسياسة وثقافة... مثل الجدل الذي أحاط بمباراة مصر وإيران، وإدخال أو منع فعاليات مجتمع الشذوذ الجنسي في سياتل. عالم معلقي المباريات حكاية لوحده، فهم جزء من صناعة الفرجة ونسج المتعة، أو إصابتها بالوهن!
عصام الشوالي، الصوت التونسي الشهير في عالم التعليق على كرة القدم، من أعمق وأمتع شيوخ هذا المجال.
استمعت لطرف من تعليقه على مباراة بنما وإنجلترا. وأثناء هجمة كاد الدفاع البنمي فيها يدخل هدفاً في مرماه عن طريق الخطأ. أو ما يُعرف بالنيران الصديقة.
قال عصام الشوالي. هذا المونديال شهد كثيراً من الأهداف بالنيران الصديقة. والنسبة العليا حتى الآن هي الفرق العربية. هم أبطال المونديال بتسجيل الأهداف في مرماهم بالنيران الصديقة!
هكذا علق، بمزيج من الحزن والضحك، لكنَّه ضحك كالبكاء، وفيما عدا مصر والمغرب والجزائر، فإنَّ المنتخبات العربية الأخرى وعددها 4 حقَّقت حضوراً باهتاً ونتائج خائبة، تونس نفسها، والسعودية وقطر والعراق. لماذا أخفقت هذه الفرق العربية في هذا المحفل العالمي الأول لكرة القدم؟
هل يوجد سبب واحد للجميع... ثم توجد أسباب تخص كل فريق عربي وحده؟ّ!
ليس من شأني الإجابة عن هذا... هنا، لكن كان مثيراً للتبصر والتفكر كلمة المعلق الشوالي المحزنة المضحكة، أن المنتخبات العربية حققت إنجازاً في هذا المونديال بكثرة الأهداف التي سجلوها في مرماهم!
كم نيراناً صديقة أصاب بها العرب أنفسهم في ميادين أخرى، مثل الاقتصاد والثقافة والسياسة؟! نيران كانوا بغنى عنها لو أحسنوا توفير طاقتهم وتوجيهها فيما يعود بالنفع عليهم أولاً ثم على غيرهم ثانياً.
نصرف جهداً ونكدح ونصول ونجول في استعداء بعضنا البعض والإضرار بأنفسنا في غير طائل، وحين ينتهي الصخب تنظر في صفحة الأرباح فلا ترى إلا ما لا يسر. لكن الصورة لم تكن قاتمة دوماً، ولنعد للمونديال وكرة القدم، فقد كانت للسعوديين أمجادٌ سابقة في أميركا نفسها عام 94، وكان للجزائر كذلك مجدها في 82، وكانت مصر أولَ منتخب عربي يشارك في المونديال في الثلاثينات الميلادية.
الإخفاق ليس قدراً بل نتيجة أخطاء، هذه الأخطاء ليست قوانين فيزيائية لا يمكن تغييرها، بل أفعال بشرية يمكن - بل يجب - تغييرها.
