د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

ما بين جو روغان وأندرسون كوبر

استمع إلى المقالة

يجلس جو روغان، مقدم بودكاست «تجربة جو روغان» في استوديو مُجهز، في أوستن تكساس، أمام ميكروفون، يتحدث لثلاث ساعات دون نص ودون رقيب، فيستمع إليه في الحلقة الواحدة ما يفوق 15 مليون شخص، بينما يتحدث أندرسون كوبر، مذيع شبكة «سي إن إن» المرموقة، في شاشة مُقابلة، إلى جمهور لا يتجاوز 500 ألف مشاهد في أفضل لياليه.

هذا التفاوت الصارخ ليس مجرد رقم عابر في تقرير، لكنه الخلاصة الأمينة لتحول عميق يعصف بالبنية الإعلامية كلها. وتلك البنية الجديدة، سيُمكن أن نسميها «النظام الإعلامي الهجين»، وفق المفهوم الذي صاغه الباحث البريطاني أندرو شادويك، والذي يقوم على فكرة أن الإعلام «القديم» و«الجديد» لم يتقاتلا حتى ينتصر أحدهما على الآخر، بل اندمجا في نسيج واحد متشابك، تتبادل فيه الصحافة «التقليدية» المنتجات مع «السوشيال ميديا»، ويتكامل عملهما أحياناً؛ حيث يعيش المؤثرون الجدد على هامش المؤسسات الإعلامية الكبرى، ويقتاتون على نفوذها أو يتجاوزونه.

غير أن هذا التشابك المثير للاهتمام ينطوي على أزمة أعمق مما يبدو في ظاهره.

ففي الشهر الماضي، أصدر «معهد رويترز لدراسة الصحافة» أضخم تقاريره السنوية، في صورة مسح شمل 48 دولة، وقرابة مائة ألف مستجيب. وكانت الأرقام مدهشة بكل ما تحمله الكلمة من معنى: الثقة بالإعلام هوت إلى 37 في المائة عالمياً، وهو أدنى مستوى منذ بدأ المعهد قياسها قبل عقد. والأكثر دلالة أن وسائل «التواصل الاجتماعي» وشبكات الفيديو تجاوزت المواقع الإخبارية والتلفزيون مجتمعَين، بوصفها المصدر الأول للأخبار عالمياً، إذ يعتمد عليها 54 في المائة من الجمهور. والمفارقة التي تكاد تكون مؤلمة أن الثقة في الأخبار على هذه المنصّات لا تتعدى 22 في المائة، في حين تبلغ نسبة من يقولون إنهم عاجزون عن تمييز الصحيح من الزائف فيها 58 في المائة. أي إن الجمهور يتدفق نحو مصادر يعرف أنها أقل موثوقية، ويفسر ذلك بالراحة والسهولة وانعدام البديل المقنع.

هذا التناقض يكشف عن ميزة حقيقية وعيب بنيوي خطير في آنٍ واحد. فمن حيث المميزات، أتاح «النظام الهجين» للمستمع العادي أن يصل إلى أصوات ظلت مُغيّبة أو مُهمشة داخل ماكينة الإعلام المؤسسي. روغان نفسه نموذج فاقع على هذه الظاهرة: كوميدي ومُحلل رياضي حوّل نفسه إلى أكثر الأصوات الإعلامية نفوذاً في الغرب، يبني علاقة شخصية مع جمهوره تشبه الصداقة أكثر مما تشبه الاشتراك في صحيفة، وهو ما يولّد ثقة وجدانية عصيّة على المقارنة.

حين جلس دونالد ترمب معه في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، تجاوزت مشاهدات الحلقة على «يوتيوب» وحده 41 مليوناً، بينما تخفق «سي إن إن»، حين تبث حديثاً لكامالا هاريس، في جمع أكثر من ثلاثة ملايين مشاهد. لقد صار من المستحيل إنكار أن الخريطة قد تبدّلت جذرياً.

أما من حيث العيوب، فإن روغان وأمثاله لا يُنتجون خبراً أصيلاً في الغالب، فهم يستهلكون الصحافة «التقليدية»، ويُعيدون توزيعها بأصواتهم وتعليقاتهم، كما أن تقرير «رويترز» الأخير يقول إن المؤثّرين الرقميين يحتلون المرتبة ذاتها التي يحتلها السياسيون بوصفهم الأكثر نشراً للمعلومات المُضللة، بنسبة 47 في المائة لكل منهما.

والأخطر أن الموجة الجديدة لم تُنشئ نظاماً صحافياً بديلاً بقدر ما تجتهد في تفكيك نظام قائم من دون أن تقترح بديلاً مضموناً. ولو أن جريدة «واشنطن بوست» أغلقت غداً مكتبها في لندن أو دبي، فلن يكون هناك بث عبر بودكاست، ولا مؤثر في «إنستغرام»، قادراً على ملء هذا الفراغ.

أمام هذا المشهد المُعقد، ثمة نصائح لا غنى عنها لطرفي المعادلة. فصانع الإعلام المؤسسي مدعوٌّ إلى أن يتخلى عن وهم الوسيط الواثق المتعالي، ويقترب من جمهوره بأصوات بشرية حقيقية لا بلافتات مؤسسية ثقيلة، وأن يضخ في التحقيق الميداني والتوثيق مالاً وطاقة وموارد، لأن هذا هو رصيده الحقيقي الذي لا يُقلَّد.

أما الجمهور فعليه أن يفطن إلى أن الاستماع إلى صوت مشوّق وجذّاب لا يُسقط عنه واجب التحقّق، وأن يسأل في كل مرة يتلقّى فيها خبراً مهماً عن حدث كبير: مَن الذي ذهب إلى الميدان ورأى وسمع وكتب بيده؟ لأن الإجابة غالباً تشير إلى مؤسسة صحافية ينتقدها الجميع، ويعيشون في الوقت ذاته على ما تنتجه.

العالم لن يعود إلى إعلام من نافذة واحدة ولا ينبغي له ذلك. لكن النظام الهجين الذي نعيشه اليوم لن يستقيم ما لم تبقَ في قلبه صحافة موثوقة ومهنية وحرة، لأنه في غيابها لن يبقى إلا صدى يتردّد على صدى، وضجيج منظّم يتحدث عن الخبر دون أن يكون خبراً.