لماذا استماتت إيران من أجل «حزب الله» إلى حد المخاطرة بالاتفاق مع أميركا، وجعل وقف إطلاق النار في لبنان شرطاً لمفاوضات سويسرا؟ هل هذا الإصرار مرتبط بالداخل اللبناني فقط أم يطول أدوارها في المنطقة؟
من البديهي أن تفعل إيران ما وَسِعَها للحفاظ على حليفها الرئيس؛ «حزب الله»، وهو الذي تخطى علاقة التحالف معها ليكشف عن أنه إيراني.
ثمة سبب أكبر أهمية يتمثل في سعي طهران إلى إلغاء نتائج الحرب التي شنتها إسرائيل في لبنان إثر «حرب الإسناد»، وعلى رأسها تقليص نفوذها فيه عبر القضاء على قادة «الحزب» من الصفين الأول والثاني؛ أبرزهم أمينه العام حسن نصر الله، وإضعاف إمكاناته العسكرية والتنظيمية، إضافة إلى تراجع نفوذه السياسي في الداخل اللبناني، وتعاظم الضغوط الداخلية بشأن السلاح ودور الدولة، لا سيما بعد وصول سلطة جديدة في سوريا وسقوط نظام بشار الأسد.
حظيتِ الحرب الإسرائيلية هذه بغطاء أميركي تجلى بداية في زيارة الرئيس السابق، جو بايدن، إسرائيل يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي زيارة تضامن ودعم سياسي وأمني غير مسبوقة من رئيس أميركي خلال حرب تخوضها إسرائيل. لكن بالتوازي، سعت إدارة بايدن إلى مسار سياسي ينبني على إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومرتبطة بضمانات أمنية لإسرائيل، ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب الإقليم وتعزيز مسار التطبيع العربي - الإسرائيلي، بما من شأنه تقليص قدرة إيران على توظيف القضية الفلسطينية في استراتيجيتها الإقليمية. هذا الدفع الأميركي نحو تسوية دائمة اندرج ضمن تصور أوسع للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، يسعى إلى نقل المنطقة من مرحلة هيمنة المنظمات الخارجة عن الدولة، ومعظمها أدوات إيرانية، إلى مرحلة استعادة الدولة الوطنية وظيفتَها بصفتها الجهة الوحيدة المخولة احتكار وسائل القوة الشرعية.
مع وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تراجع الزخم الداعي إلى قيام دولة فلسطينية، وانتقل من التركيز على مسار سياسي مباشر لحل الدولتين، إلى مقاربة تركز على ترتيبات ما بعد الحرب في غزة وإعادة تشكيل البيئة الأمنية والإقليمية، مع بقاء فكرة الدولة الفلسطينية حاضرة في المبادرات العربية والدولية.
لكن إدارة الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران بعد يونيو (حزيران) 2025 أذابت كثيراً من مكاسبهما العسكرية لانعدام الرؤية السياسية الأميركية وضياع الهدف. فبعد حرب كبدت طهران خسائر كبيرة في قياداتها وبناها التحتية النووية والعسكرية، جاءت مذكرة التفاهم لتعيد تثبيتها طرفاً ممسكاً بورقة أمن الطاقة والاقتصاد العالمي عبر التحكم في مضيق هرمز، كما بوصفها عاملاً مهدداً للاستقرار في المنطقة. إيران التي خسرت عسكرياً، تمكَّنت من تجنب ترجمة تلك الخسارة إلى هزيمة سياسية، منتزعة موقع الندية على طاولة المفاوضات في سويسرا.
لبنانياً، قمة الغرابة في كيفية التوفيق بين الاتفاق المهم الذي وقع يوم الجمعة الماضي بين لبنان وإسرائيل، والمذكرة التي تعيد البلاد إلى المربع الأول؛ إذ كرست استمرار الدور الإيراني في التأثير على الساحة اللبنانية، من خلال التعامل مع طهران بوصفها طرفاً مؤثراً في الاستقرار الأمني، وأوقفت مسار تراجع «حزب الله» السريع، ومنحته وقتاً ثميناً لإعادة التموضع وانتقاله إلى مرحلة دفاعية تهدف إلى إعادة تمكين نفوذه السياسي والمؤسساتي، ومنع ترسيخ معادلة داخلية جديدة تقوم على حصرية السلاح بيد الدولة.
أما طرح ترمب الاستعانة بسوريا للقضاء على «حزب الله» فهو لا يتوافق مع ما تقوله واشنطن من أنها تعمل على تمكين الدولة اللبنانية وترسيخ احتكارها السلاح، كما يشكل مفارقة سياسية تتمثل في التفاوض مع إيران، في الوقت الذي تسعى فيه إلى القضاء على وكيلها الأبرز بالمنطقة!
فلسطينياً؛ يكشف الغياب الكامل لغزة وللقضية الفلسطينية عن ورقة التفاهم عن أن القضية التي كانت الشرارة المباشرة للتحولات الإقليمية التي تحققت لم تعد جزءاً من التسوية المطروحة. وبدلاً من أن تقود الحرب إلى إعادة وضع القضية الفلسطينية في صلب النظام الإقليمي الجديد، انتقلت الأولوية إلى تنظيم العلاقة بإيران، فيما تُرك مستقبل الفلسطينيين خارج إطار التفاهم نفسه.
كما عززت «مذكرة التفاهم» مخاوف حلفاء واشنطن من أن تكون قد حوّلت خسائر إيران العسكرية مكاسبَ سياسية، عبر تثبيت دورها شريكاً في الأمن الإقليمي وإعادة شرعنة نفوذها وأذرعها المسلحة بالمنطقة، لا سيما في لبنان، في مقتل لفكرة الدولة الوطنية.
المحصلة: لا تكمن مسألة ورقة التفاهم في بنودها المباشرة، بقدر ما تكمن في الرسالة التي تحملها: فبعد سنوات من الحديث عن بناء شرق أوسط تحتكر فيه الدول الوطنية القرارين الأمني والعسكري، عادت إيران لتُعامَل بوصفها شريكاً في هندسة التوازنات الإقليمية. وهكذا يقع لبنان بخاصة ودول المحور الإيراني بعامة مجدداً بين مشروع الدولة ومنطق الميليشيات، ويزداد القلق من مستقبل الأمن الإقليمي.
